الشبكة الأدبية
أخواني الادباء والكتاب وزوار الشبكة الادبية ’’’ ننتظر تسجيلكم ومشاركتنا بأقلامكم

الشبكة الأدبية


 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
تابعوا صفحتنا ع الفيس بوك

شاطر | 
 

 حفل تأبين / قصة صادق أسود

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صادق أسود
كاتب
كاتب


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 49
العمل/الترفيه : كاتب ومخرج مسرحي

مُساهمةموضوع: حفل تأبين / قصة صادق أسود   الخميس مايو 24, 2012 2:37 pm

حفل تأبيــــــــن







حثوا الخطى وأسرعوا يا من كنتم دائما
أحبتي، ويا من كنتم في عداد الأحباب، فالصمت الذي يسيطر على مدركاتي إن استمر
فإننا سنقف على مشارف حكاية غريبة كما الواقف على مشارف شاطئ لجزيرة مبهمة لديه
تحف بالصمت والخبايا.



أفيضوا من حيث أعلم وحيث لا أعلم
لأنكم اليوم ستدفعون ضريبة السنين التي كنت أعتبركم فيها أحبتي فالألم يحاصرني
ويداه الخفية ليطبق على رقبتي، لا يريد أن ينفك يداه إلا والنبض في ضياع والشرايين
في صمت يشبه صمتي الذي ألم بي.



فأنا اليوم أشبه إلى حد بعيد ذاك الذي
جنى من الدراهم ما جنى وهو يدعي الفاقة والعوز إلى أن باغته لص في ليلة تشبه ليلتي
بحلكتها ومرارتها فقضى على كل ما قد اكتنز ذاك البخيل الساعي للسؤال، ذاك البخيل
الذي بعثر عيناه ويداه في كل الاتجاهات مفتشا عن ماله الذي كان يضعه في مكان اعتاد
التردد عليه، ذاك البخيل الذي فقد ما كان يمكنه من العيش الترف غير قادر على
الصراخ والعويل، عاجز عن إعلام من حوله بمصابه الذي يتعدى في تلك اللحظة مصاب أي
امرؤ في المدينة، ولأنه اعتاد كنز المال بصمت عليه أن يدفع الضريبة المحتمة بصمت.



وأنتم عليكم أن تدفعون ذات الضريبة،
ضريبة حبي لكم، فأسرعوا إلي لأن الصمت قد يفلح في انتزاع أنفاسي من صدري وجعلي في
غنى عنكم إلى نهاية الكون، تراكضوا فالثواني قد تفيد وقد لا تفيد ولكن اعلموا أن
ما سترونه حين قدومكم ليس ما كنتم تقعون عليه دائما فأنا لا أدعوكم لكأس شراب،
وليس لموائد فيها ما يلذ وما طاب، إني أدعوكم إلى مأتم.



أرسلت في طلبكم لتشاركوني البكاء فليس
بكائي بمفردي قادر على الإعلان بأن ما فارقناه في هذه الحياة كان بالنسبة لي أهم
من الحياة إن لم يتعداها لمراتب الخلود، انتظركم في غرفتي التي اعتدتم زيارتي
فيها، أضحك كما اعتدت أن أواجه الحياة، أسخر من القدر كما تعلمت من القدر الذي سخر
من جميع فئات الناس، يداي التي اعتادت ملء الكؤوس قد تمردت وأبت الخمر لأن عقلي
أبى التخدير، ولأن روحي اشتاقت للحظة صفاء مع النفس، لكلمة صدق تولد في حينها
وليست معجونة بالحنكة والمهارة اللفظية والأدبية لتغدو في عدة وجوه، وجوه ستصيب
إحداها عند أي نتيجة تحط عندها الأقدار والظروف، فليس الخمر وكؤوسها وما سيجمعنا
هذه الليلة، بل البكاء الذي أنا تواق إليه، فأسرعوا إلي من كل الاتجاهات كما تغدق
الأفكار إلى أذهان من أراد في ليلته أن يفاجئكم بما لم تعتاده الدنيا جمعاء.



إن الصمت غريمنا هذه الليلة، لأجله
سنلتقي وسنقف على أطلال الخراب الذي سيكون تسبب به، فلعل الصمت يلوذ بالفرار
بمجيئكم فأقف هذه المرة لأنطق بالحكاية التي أريدها أن تموت معي وأن ترافقني في
لحدي رغم كرهي لها واحتقاري لصيغتها، إن
الصيغة التي حيكت فيها رعناء ولعل الحكاية التي ستمزق أحشائي كما يمزق
النسر أحشاء فريسته لا تتعدى كونها كلمات غير رصينة لحكاية لا عبر فيها ولا مقاصد.



أتذكرون حين كنا هنا في ذات المكان
منذ سنوات، كيف كانت البهجة بادية على وجوه الجميع لأني ساع إلى تحقيق الحلم الذي
راودني منذ كنت طفلا، منذ أن شعرت بأن ثمة شيء اسمه كرامة وأنني ملزم بصونها، ولم
تكن أحلامي ضرب من الخيال ولا هي كتلة من المستحيل عجنتها بوردية وادعيت حقوقي في
استجابة القدر لي، أحلم بمشغل صغير أبنيه وأرعاه كطفلي الذي أحلم به كذلك، قلتم
وقلت وتحادثنا بأن عذاب سنين قد يحمل بين طياته السعادة التي أرجو لحياتي وتواعدنا
هنا ومضينا، أبيتم إلا مرافقتي للمطار، حملتم عني حقائبي لأكون بينكم أشبه بالعريس
في ليلة زفافه حيث يقوم الجميع على راحته وتلبية متطلباته.



أتذكرون أول كلمات قلناها حين وطئت
أرجلنا أرض المطار؟.



قال لي زكي مالا أنساه في حياتي، تنبأ
لي بحياة مترفة بعد عودتي من السفر، تنبأ لي بدار واسع، فيلا تشبه بفنائها فناء
قاعة المطار وبأرض مرمرية كأرضه وبذات الإضاءة التي كانت تسحرنا، تمنيت حينها أن
تكون نبوءاته محققة وأن أعود بذات الصورة، بكلمات زكي رحت أركض نحو مدرج الطائرة
حتى وصلته لاهثا، كنت أريد أن أتسابق وجميع المسافرين لأصل للطائرة أولا، لأحط
فيها أولا، لأعمل وأجد وأجني وأعود لأهل تركتهم في عوز، وكذلك في مرارة الحرمان من
بكرهم، بكرهم القادر على سد احتياجاتهم.



أما هناك حيث كنت أعمل كنت لا شيء،
كنت نكرة تماما، وتذكرت هناك الكرامة التي علي أن أصونها لكني ما وجدت أنني قطعت
هذه الأميال إلا لأجني المال وتنازلت عن قسط وافر مما كنت أصون في بلدي من كرامة،
وترتب علي هناك في البعيد ما إن ارتضيت في وطني لما غادرت مطلقا، كنت آوي بعد طول
عناء إلى ركن في غرفة يقاسمني فيها من حمل من الهموم ما حملت.



العمل وإرهاقه في النهار كانوا يمثلون
لي مقارنة مع الليل رحلة إلى عوالم إثبات وجود، الليل هناك كان مفزعا، كنا نحن
الأربعة الذين كنا نتقاسم الغرفة متنافرين في كل شيء، الشخير كان يسبب لي شيئا من
الحلم بالخلاص، بل شعرت أن خلاصي منه أشبه بولادتي من جديد، ورائحة الأطعمة
المخلفة في ركن الغرفة كان أشبه بعملية الإعدام خنقا بالغاز، والمواويل التي كان
ينفث بها أحدهم عن شوقه وحنينه بصوته الأجش كانت رحلة قاسية للعودة حيث الأهل
الذين تركت، تلك المواويل كانت ترسلني إليهم عبر تلك المسافة سيرا على الأقدام لما
يحمله الصوت الأجش من آلام لأذني التي ما تعودت إلا أصوات الأصالة والطرب حين كنا
نلتقي هنا حول كؤوس الخمر المترعات، كنت أقاسي الألم بصمت وأرسل إليكم بما ليس
يعتليني فأصف كل ما حولي بالجنات الغناء لأن ما غادرت لأجله كان هاجسي الأوحد وهمي
الأول والأخير.



إني على يقين بأن حكايتي ملئى بالملل،
فأنتم في صمتكم وإصغائكم تمثلون لي انتظار هذه السنوات للظفر بنتيجة كانت حينما
غدت حقيقة حلم مزعج، كابوس مستطير، فارحموا ألمي وأنصتوا فالصمت قاتلي لا محالة.



أنتم تتأسفون ضمنا على ما بذلتم من
جهد في ركضكم إلي حين دعوتكم على عجل، ولم تكونوا في حال تحملكم للتنبأ بما
ستتلقون من حكاية ملئى بالملل والآلام الدفينة التي تخرج من الصدر برائحة تشبه
رائحة الدماء في غرفة العمليات، وبعبارات مستهلكة غدت شيء لا ثمن له في حياتنا
المادية التي نحيا، لأن تلك الأفكار ضاعت حين انتقل العالم من مصباح الكاز للإنارة
الكهربائية.



في تلك الحقبة التي أذكر كانت التغيرات
لأن الكهرباء بما فيها من حاجة ماسة أوجدت الكماليات وحينها شرعنا نتسابق لهذه
الكماليات وكان الناس في تسابق للجار، للرأفة بالوصال، لمناصرة الضعيف يوم لم يكن
الدار إلا جدران ولم يكن الأثاث إلا حصير ولم تكن الإنارة إلا مصباح الكاز.



عذرا منكم أحبتي فإن أشلائي اليوم
مبعثرة فيما بين هذه الغرفة التي حملت أمانينا وظفرنا وقهرنا وبين مدرج الطائرة في
المطار حيث نقلتني في أمل للغنيمة وأعادتني أفتش عن التفاؤل وعما صرفت الأيام
لأجنيه من سعادة، من صون للكرامة.



أشلائي بادية على الطرقات كأوراق كانت
قبل تجزئتها تمثل رسالة حب لعاشق استبان بعد مرور الزمن أنه قد تلقى طعنة دامية من
الحبيبة، أشلائي الآن تتطاير لتتهادى في أماكن وأماكن، فربما تداس في أرجل سائرة
بخطى مبهمة وربما تصطدم بتربة زهرة ندية لتتربع خصبتها، وربما سترون أشلائي إن ما
اشتدت الرياح تسابق كل شيء لتحط في مكان نتن يعج بذات الرائحة التي نمت وأنا
أتنشقها على مضض لسنوات.



وليس عجبا أن تقف أشلائي في مكان كهذا
لأني حينما قررت العودة للوطن وقفت أرمق ذات الغرفة قبل رحيلي فوجدت أن ثمة حنين
مجهول يباغتني للمواويل وللشخير ولرائحة الطعام الآتية من مخلفات طعام العشاء.



لا تسئموني أحبتي فضريبة الحب في أن
تصبروا، في أن تسمعوا عويلي فللجرح وللخيبة التي أنا بها صوت أشد من العويل، إن
الخيبة ليست لفشل في سفري، فأنا غنمت ولم تضيع أحلامي سدى، وذاك المشغل الصغير
الذي سافرت إكراما لبنائه ما كان ليستغرق مني كل تلك السنون لكن الطمع نال مني
فعبأت للحياة القادمة، ظننت أني بذلك أتخطى غدر الزمان وعدت بعدما أيقنت أن مالي
بات وافر، فإذا أنا أمام مهزلة من مهازل الزمان.



فأنا قد عدت لأرض الوطن لكنني ما ملكت
دار بأرض مرمرية ولا أنوار تشبه أنوار فناء المطار وما جنيت من الغربة إلا الغربة
هناك وهنا، شعرت حين قدمت أن أصوات تنبعث من داخل كل من كان ينتظرني تصيح بي
بأصوات تفوق صوت القطار المنطلق في عتمة الضمير والمصير، كانوا يقولون بصمت:



لماذا عدت هنا


لو بقيت هناك ترسل لنا مالا


قيلت هذه الكلمات بالصمت وأنا أكره
الصمت، فكذبت نفسي، كذبت إحساسي الذي لا أملك سواه بعد أن تنازلت عن أقساط وفيرة
من كرامتي حيث كنت، وحقا كانت كلماتهم فلماذا أنا عدت!!!



لماذا أنا عدت ما دمت لم أجد أهلي
الذين سافرت لأجلهم!!!



ولم أجد الحب الذي كنت أحلم به!!،


قد تغيرت الناس، تغيرت الوجوه وبقيت
الأشباح المرسومة كرسوماتنا حين كنا أطفالا



كان في الدار حين سفري رائحة فقر مفزع
فما عادت متواجدة، لكن رائحة الغنى بلا تعب، رائحة محدثي النعمة كانت قاتلة لأنها
قلبت موازين القوى في الدار فبدلت النفوس الطيبة وحولتها إلى مرارة الماديات حيث
بات اجتماع العائلة اجتماع عمل، وإذا المشغل الصغير الذي حلمت به يوما بات مشاغل
وإذا نفوس أرباب العمل المستهترة بالآدميين والتي هاجرت هربا منها تجسدت في إخوتي،
أبي، وإذا أنا بعد هذه السنوات لا أملك إلا جزيل الشكر على ما أرسلت لهم من مال
كهدايا كانوا به من مالكي العقارات، ووجدت أن لا مال لي بينهم ولا مكان ولا حتى
ذكريات.



أحبتي أكاد من شدة رغبتي في السرد أن
أفقد لذة الحديث وأن ألجأ للصمت، أكاد أحن لدوران عنيف أفتعله كما الزوبعة فأطيح
بكل من حولي.



فاملئوا الكؤوس!!!!!!


ليس لنشرب نخب ما وإنما لطوي صفحة من
صفحات الحياة التي ستذكر أنني حين عاتبت من بدد مالي وانقلب بشخصه على الدنيا، غدا
أقرب للوحش من الآدمي، ووصفت بما يحملني اليوم لأجمعكم هنا في حفل تأبين.





سندفن هذه الحكاية التي قد تسبب الألم
لآلاف غيري ممن في طريقهم للسفر، سندفن النطق لألا يبوح بما جرى، لألا يعلن عن فتى
أضاع مصداقية الألفة والحب، أرسلت في طلبكم خوفا من الصمت، وأنا الآن لا ملاذ لي
إلا هو، سأحبسه في صدري لأني أراه في ثورته قد يحدث في الأسماع ما يحدثه بركان من
ضوضاء، فحينها ستغدو أحرف كلماتي حممه الملتهبة التي لا يوقفها أي شيء، هي تذيب ما
تصادفه لألا يعيقها في سيرها، فالصمت بدا اليوم خلاصي من كل شيء، فليكن حفل تأبين
الكلام هي دعوة اليوم

صادق أسود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حفل تأبين / قصة صادق أسود
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشبكة الأدبية :: المنتديــات الأدبيــة :: منتدى القصة والرواية والمسرح-
انتقل الى: