الشبكة الأدبية
أخواني الادباء والكتاب وزوار الشبكة الادبية ’’’ ننتظر تسجيلكم ومشاركتنا بأقلامكم

الشبكة الأدبية


 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
تابعوا صفحتنا ع الفيس بوك

شاطر | 
 

 القصة الطويلة .. القبعة السوداء / صادق أسود

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صادق أسود
كاتب
كاتب
avatar

عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 49
العمل/الترفيه : كاتب ومخرج مسرحي

مُساهمةموضوع: القصة الطويلة .. القبعة السوداء / صادق أسود   الأربعاء مايو 16, 2012 12:15 am


القبعة السوداء

كان يقف على الشرفة كما اعتاد الوقوف يومياً، في ذات المكان الذي لم يتغير طيلة تلك الأيام وتلك الليالي، ليس هناك من يؤكد إن كان بوقفته تلك هو جزء من الشرفة، أم أن الشرفة في تلك الساعات جزء منه، وهل وقوفه ليلاً على الشرفة نتيجة للتغيير الكوني الذي لا لبث فيه، إن القمر يأتي كل ليلة وهذا الرجل يقف ذات الوقفة كل ليلة، لكنه لا يغيب كالقمر كل شهر، بل يغيب في أيام الشتاء القاسية فقط.
هو وقف ليتأمل، ليفكر!
وبماذا يفكر؟!
وهل تفكيره هذا ذو فائدة أم أنه اقتصر على عادة دائمة التكرار؟!
أسند رأسه على راحة كفه التي جعلت من حافة الشرفة قاعدة لها وشرع يفكر، شرع يتأمل، سرح بأفكاره وحلم، يحلم بذاك العالم الذي لا وجود له إلا في تأملاته، حتى سيجارته كان يدخنها بطريقة روتينية، يعبق صدره منها وينفث دخانها بنشوة لا تزيد ولا تنقص وكأنها محدودة المدى.
لا يتعب من التفكير وكأن تفكيره بحد ذاته هو زاد الحياة التي يعيش، وكأن تلك الأحلام التي يحيك خيوطها ما بين تردد وقبول هي جزء مهم في حياته، بل كأنها الهواء الذي يتنفسه، إنه غريب الأطوار في كل ما يفعل، لكن ما يمثل الغرابة أنه ليس رجل مسن أكلت منه السنون ما أكلت فأردته صريع اليأس والقلق، هو لا يبكي الحزن في وقفته تلك ولا يتألم، لا يتنهد لأن كارثة حلت به ولا يبدو عليه من خلال ملامحه إلا أنه يفكر!.
ولكن ؟؟؟
هل هو يفكر؟
بماذا هو يفكر؟
لماذا هو يفكر؟
بل هناك سؤال أهم من سواه!
بمن هو يفكر؟
انتهت سيجارته فرمى بها على الأرض وتبسم بعد أن رآها تستقر، وكأن نشوة التدخين لديه تكمن في نظرته الأخيرة لها، وكانت ابتسامته التي يبتسم أغرب من أطواره التي يعيش، ورغم ذلك فقد ظل صامتاً، ورغم ابتسامته لكنه ظل يفكر وعاد ليقطب حاجباه من جديد إذ انتهت لديه المدة التي حددها للابتسامة، فلماذا ابتسم ولماذا قطب حاجباه؟!
لقد مر أكثر من ساعة ونصف الساعة على وقفته تلك وهو على ذات الحال لا يحرك جسده شيئاً وكأنه غريب عن هذا العالم، بل كأنه حين يأخذ مكانه الذي حدده لنفسه على الشرفة في تلك الساعة من الليل يفقد قدرته على الحركة فقد قاربت الساعة الثانية ليلاً ولليل غبطة وعظمة، إن لهدوء الليل وسكونه هيبة لأن الليل ملك وللملك هيبة، ولعل ذاك الفتى كان يقف في حضرة ذاك الملك بكل ذاك الاحترام، لكن تلك الأدبيات إن خرجت عن المألوف ستكون مملة وصعبة فلماذا لم يتذمر منها ولم يمل؟ هل لأنه فاقد الإحساس بالتعب أم كي يترفع عن بني البشر حين يحتمل صعوبة الوقوف في حضرة الليل الملك الذي يشابهه في هدوءه وسكينته؟!
وفجأة صوت ما صدر من مكان ما!
الصوت لم يلفت انتباهه وكأنه لم يسمعه، أغمض عينيه فقط وفتحهم، إنه باب يُغلق أو يُفتح، إن الصوت يؤكد عملية من هذا القبيل وليس إلا، فإن لم يكون صوت باب فلا بد أنه صوت نافذة، لكن فتح باب أو نافذة في مثل هذا الوقت وهذه الساعة من الليل وفي هذا السكون الممتد لم يغير من وضعه، وقد كان من البديهي أن يستدير بوجهه نحو مصدر الصوت المنبعث لكنه لم يفعل.
في داخله كان عقله الباطني قد تحرك رغم شروده، ورغم كل تلك الهالة التي سيطرت عليه لقاء تفكيره، راح يفكر بأيام سلفت، إن لهذا الصوت أثر في نفسه يذكره حين كان يلتقي حبيبته ليلاً عند باب دارهم، كان ذلك الباب الذي عشق رؤيته والوقوف عنده يخرج صوتاً مشابهاً، كان يحب ذاك الصوت رغم خوفه الذي يسيطر عليه عندما كان يقف عنده، فوقفته كانت تأخذ منحى اللصوصية، إنه يحب ويكره ذاك الصوت، وهو صوت مزعج ومكروه، إنها أيام وليال جميلة قضاها مع ذاك الصوت، وهي الآن ذكرى أليمة، فذاك الصوت الذي انبعث من مكان ما منذ برهة يذكره، هو لا يريد أن يتذكر، هو يريد أن يفكر بأي شيء، أن يفكر بما لا يفكر به أي امرؤ على الإطلاق، يريد أن يبتعد عن عالمه بالتفكير وكأن تفكيره عقاباً عن أيام سلفت.
وقع عقب سيجارة على الأرض، تطايرت جمرات التبغ وتناثرت فنعست ثم انطفأت، نظره تركز على الأرض وفي ذات البقعة التي وقعت فيها نهاية السيجارة، ولذا فقد شاهدها بشكل واضح وهي تحدث شظايا عديدة تشبه إلى حد ما شظايا قنبلة تنفجر، قنبلة، توقف عند تلك الكلمة، ذاك تفكير مأساوي أو عدائي.
وتساءل؟!
ماذا لو كانت تلك الشظايا شظايا قنبلة فعلاً، لو كانت قنبلة لكان كل ما حوله قد تغير، كل ما حوله بات في لحظة واحدة دمار، خراب، موت، إنه لا يحب الموت ولا يحب هذه الأسماء التي أتى على ذكرها، أراد صرف تلك الأفكار عن ذهنه لأنها تعكر مزاجه، فأي قنبلة في ذاك السكون وأي ضحايا وأي دمار.
وهنا تساءل؟!
حاجباه المقطبان يؤكدان أنه في خضم أسئلة عديدة ومعقدة إلى حد ما، كان يتساءل هل رُميت مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنبلة الذرية صباحاً أم كان ذلك عند المساء، وماذا لو كانت هذه الواقعة التي أحدثت كل تلك الشظايا التي نعست وانطفأت بسرعة هي قنبلة ذرية، ما الذي سيفعله حينها، لا أنه لن يفعل شيئاً، عليها هي أن تقع، أن تصطدم بالأرض وسيتغير كل شيء تلقائياً، لن يتبقى أي شيء يذكر، حتى الحجر سيصبح غباراً يتناثر، أو أنه سيذوب من شدة حرارة الانفجار.
وتذكر!!
وعاد ليفكر من جديد!!
راح يتصور أشياء تُخجل أو تدعو للسخرية ، للضحك، راح يفكر بتساؤلات، ماذا لو غير ما كان بالماضي كان الآن، ماذا لو أن هيروشيما لم ترمى هناك بالماضي، ماذا لو استقرت القنبلة هنا، ويجري الآن كل ما جرى حينها دون زيادة أو نقصان، ماذا لو بقيت بقدرة قادر في مكاني ولم أمت، أنظر، أتتبع الأحداث، أسجلها على الورق أو بذاكرتي لأكون شاهد عيان، سيكون بقائي على قيد الحياة معجزة غريبة تتحدث عنها الدنيا بطولها وعرضها، ولكن، عن ماذا سيتحدثون، هل سيتحدثون عن من سيتكلم واصفاً ما رأى بأم عينه وكان عدم موته بمفرده معجزة، أم سيتحدثون عن ما سأروي لهم من أحداث مأساوية، لا إنه تفكير غير منطقي ذاك الذي أحذو فيه، لأنني سأكون حقل تجارب العلماء الذين يريدون استنساخ الآدميين القادرين على تحمل هذه القنابل.
تأسف لإقدامه على هذا التفكير فانتقل لطرق مغايرة، لماذا لم تعاقب البشرية من أقدم على هذا الفعل وهذا القتل وهذا التدمير، لماذا لم يشنق من أعطى قرار رمي القنبلة الذرية، وتأسف من جديد لذكر الموت فأصلح عبارته، بل لنعاتبه عتاباً مخجلاً، وتوقف عن التفكير برهة، ابتسم، قال لنفسه: كان علينا أن نعاتب المجرم الحقيقي، تفكيرنا يجب أن ينصب على معاتبة الفرد نوبل ذاك العالم السويدي، إنه سينال نصيبه في الآخرة التي وعدنا بها الله، سيحرق بالنار على ما فعل، ولكن أي نار تعادل ما كان في هيروشيما أو شقيقتها اليابانية، أستغفر الله، إن جهنم أقوى وأشد، كما أن الفرد نوبل لم يقصد الشرك بالله فيما أقدم عليه، وأنا من طرفي عليَّ ألا أشرك بالله، لكن نوبل وضع في الدنيا بداية المأساة ويجب أن يعاقب، نعم يجب أن يعاقب ولكن كم يجب على الفرد نوبل أن يبقى في نار جهنم يستعر حتى يعاقب عن كل من قُتل أو حرق نتيجة اختراعه هذا، أما فكر هذا العالم السويدي في التكفير عن خطيئته حينما طلب أن يكتب على لوح قبره يا ليت أمهاتنا لم تلدنا، قتل القتيل ومشى في جنازته، يا ليت أمهاتنا لم تلدنا، إن تلك الكلمة يقولها الكثيرون في ذاك الأرخبيل الذي أقصيت منه مدينتين بسياط الفرد نوبل مخترع الديناميت الأول، إن تلك الكلمة يقولها المواليد الجدد في تلك المناطق المنكوبة، لعنة الله عليك يا الفرد نوبل على ما فعلت بنا وقد كان من الإنصاف أن تموت أنت تلك الميتة الغريبة الآلام، ليس أن تخرج لنا في آخر أيام حياتك بعد ما اخترعت الموت باختراع للتكفير عن خطاياك وتقول كل عام إليكم جوائز نوبل، للآداب، للعلوم، للاقتصاد، للسلام، يا للسخرية أنت تدعم السلام بالجوائز يا مخترع الموت، لعنة الله عليك قتلت الناس هناك وبددت وقتي هنا.
وسقطت قنبلة أخرى على الأرض في ذات الموقع، بل سيجارة أخرى، توقف عن تفكيره السابق، انطلق إلى مسار جديد في تفكيره، إنه على ما يبدو قد خلق للتفكير.
وتساءل؟.
ما هذا الإنسان الغريب الذي يدخن سيجارتان متتابعتان في هذه المدة القصيرة، هو كان يفكر ولم يدري أن أكثر من ساعة قد فصلت السيجارة الأولى عن الثانية، يشغله تفكيره حتى عن الزمن، لا حسابات زمنية لديه في الليل إلا وقوفه على الشرفة، فإذا ما تنبه لبزوغ الفجر أطلق تنهدات الاستغراب من مرور الوقت وعاد لداخل داره.
هو يفكر بمن رمى أعقاب السجائر أرضاً، تساءل، أليس من يسهر حتى هذه الساعة من الليل ويرمي أعقاب السجائر هو من يسوقني لهذا التفكير المأساوي، لابد أنه قلق لا يتمكن من النوم، صارع النوم فانهزم أمامه وغادر غرفته هارباً من حرارة العلب الإسمنتية التي يحيا فيها يتلمس عليل الهواء في الشرفة، رفع رأسه للأعلى باحثاً عن ذاك القلق الذي يشاركه ليله قسراً، هو لا يسهر الليل إلا لأنه يحتكر الليل لنفسه عن سائر البشر، إنه يقول في الليل: رحم الله العقلاء أن خلق لهم الليل ليسهروا فيه فيرتاحوا من الحمقى والحمقى نيام، ورحم الله الحمقى أن خلق لهم الليل ليناموا فيه فيرتاحون من العقلاء والعقلاء سهارى.
تحرك ذاك الساكن في نهاية المطاف، قام بعدة حركات متتالية تتمم بعضها بعضاً لأجل حركة واحدة بعد ذاك السكون الذي جعله إحدى أحجار المبنى، رفع رأسه، تحركت يداه فأسقطهما بجانبه، عبث بعينيه في المباني التي تحيط بشرفته يفتش عن القلق المدخن، لم يجد أي شرفة عليها مدخن، لم يجد أي قلق، لا بل راح لأبعد من هذا، إنه لم يجد الشرفات، ابتسم، ضحك، طالت مدة ابتسامته الساخرة، إن ابتسامته الساخرة هذه لأنه يفكر، طالت مدة ابتسامته الساخرة هذه عن ما قبلها، تذكر العربي القديم، تذكر البداوة، ألم تكن البداوة تسكن في الخيام، سخر وقال لنفسه إن الغرب هم صانعوا التقدم والحضارة، نحن العرب متصنعين للحضارة والتقدم، بعد كل هذه القرون المتعاقبة، رغم كل هذه الأزمنة بقيت الخيام، أليست كلمة عرب بمعناها تطلق على جماعة من القوم، لقد كانت الخيام مبعثرة هنا وهناك، واليوم هي خياماً منتظمة، إنها أمامه على مرأى عينه، لقد مدت الخيام على الشرفات بإحكام باسم الستائر، لقد صفت الخيام المنتظمة لتحول دون الناظرين لحرمات دورهم، إن العرب لن تتخلى عن فكرة الغزو والسبايا وسيعودون لوئد البنات قريباً، الخيام المنتظمة تدعوه حقاً لضحكة ساخرة، وتذكر شيئاً آخر فضحك، تذكر جمال الدين الأفغاني في كلمة له يدافع بها عن العرب كأمة، لقد قال جمال الدين الأفغاني مقولة صدق حقاً: نحن عرب قبل كل صبغة سياسية.
خيام، قنابل، كوارث، هدوء، سكينة، ظلام، عجباً من تفكيره هذا، أشعل لنفسه سيجارة، شعر أنه يحتاج لها حقاً، نظر إلى ساعته، ذهل لمرور الوقت بتلك السرعة، إن الفجر غير بعيد ولا بد لخيمة الليل السوداء التي أظلت نصف الكرة الأرضية من أن تفل وتحل مكانها الخيمة الزرقاء، إن الخيام الكونية تتبدل وكذلك الخيام المنتظمة على الشرفات، عدد كبير منها سيتلاشى، عاد فرفع رأسه للأعلى، إنه لا يريد التفتيش عن ذاك الشاب القلق أو ذاك العجوز الذي يترقب صلاة الفجر، إنه يريد مراقبة الخيمة السوداء التي تتقهقر وتتسحب أمام الفجر.
ولكن، ماذا، أيعقل ما يراه، هل هذه فتاة، نعم إنها فتاة وبيدها سيجارة، إنها تدخن، أمر غريب هذا الذي يراه، إذاً فهذه هي صاحبة تلك العشوائية التي شتتت له تفكيره، هي من فتح النافذة وأحدث هذا الصوت الحبيب والكريه إلى قلبه، هي من رمت قنابل التبغ، هي من ذهبت به إلى اليابان حيث هيروشيما ثم إلى السويد حيث الفرد نوبل ثم إلى جهنم حيث النار التي تحرق ثم إلى خيام البداوة في الصحارى البعيدة، هي القلق الذي لا ينام.
فتاة تسهر مع النجوم حتى هذا الوقت، وتدخن دون مبالاة، وتنظر إليه كما ينظر إليها، هي صامتة مثله، تدخن مثله، تقف مثله، قلقة مثله، لكنها أنثى، إذاً هي ليس مثله، هم يقطنون حي شعبي في منطقة شعبية، إنها تتجرد من شعبية الحي والمنطقة، هي تتجرد من التقاليد الشرقية التي تعيب سهر الفتاة لمثل هذا الوقت، تعيب وقوفها على النافذة، تعيب حتى نظرة الـ لا مبالاة التي تنظرها، تعيب دخانها، تعيب ابتسامتها له، ولماذا هي تبتسم، ما الذي تقصده بحركة كهذه التي تقدم عليها، هو لا يريد أن يبتسم لها، لا يريد علاقة ارتباط، ليس مؤهلاً من طرفه للحب، للزواج، ليس مؤهلاً حتى للعشق، لا، لا مانع لديه من العشيقة، عشيقة، لا هو لا يريد الإناث لا من قريب ولا من بعيد، يكفيه ما نال ممن سلفتها، لقد خانته، استصعبت أن تبدأ معه مشوار الحياة من نقطة الصفر التي هو فيها، أو ما تحت الصفر كي يكون واقعياً، تركته وفرت جزعة من فقره، فرت تتذرع بكلام والدها وممانعته لتلك الزيجة، كانت تدعي الخوف من والدها، تهول ذاك الخوف، فهل تلتقي الفتاة التي تخاف من والدها بشاب في الطريق، هل تلتقي به عند باب المنزل كلما انتصف الليل، كلما نام سكان الدار، إذا فهي لا تخشى والدها بل تذرعت بكلامه.
إنه يحب فتاته السابقة، لكن هذه الأنثى حركت به مشاعر غريبة لم تحركها فتاة من قبل، إنها بيضاء، نور غرفتها يساعده على رؤيتها بشكل واضح، إنها تنظر له محدقة وهذا ما يمكنه من التمعن فيها، شعر أنها تخيفه بنظراتها، لا ليست نظرات بل هي نظرة واحدة ولكنها دائمة ومستمرة، إنها ممتدة امتداد الدنيا لعصورها الخفية، لقد طالت نظراتها واستمرت، هل هي مستمرة لنهاية الكون، هل هي صنم كأبي الهول، إن استمرارها أمنية لأن خجله جعله يعيد نظره، عاد بنظره حيث كانت قنابل التبغ، لاحت بفكره خاطرة غريبة، ولكن أيعقل أن يكون ما يجول بخاطره حقيقة، إنها حقيقة غريبة، لقد استغرب ما هي فيه وكأنه لا يدري أنه يفوقها غرابة آلاف المرات، إن نظره الذي عاد فيه من على نافذتها وصوبه نحو الأرض جعله يعلم سبب تلك النظرة الطويلة الأمد، إذاً هي تفكر، هي شاردة الذهن، هي لا تنظر إليه بل هي مطرقة الرأس تنظر إلى حيث قذفت أعقاب سجائرها، لقد استغرب شرودها الطويل، شرودها الذي ظنه للحظات نظرة ثاقبة باتجاهه، لقد ساءته تلك النتيجة إساءة بالغة، كان يتمنى أن تكون معجبة فيه، مفتنة فيه، لكنها كانت شاردة فأوقعته في حزن، ولماذا يحزن، لأجل فتاة لم تكن تنظر إليه، هل هو شيء من الإعجاب، هو يتمناه إعجاب متبادل دون أدنى شك، إذاً فقد أعجب بها، ولكن ما الذي شده للإعجاب بها لهذه الدرجة.
عاد بنظره للنافذة من جديد، يريد أن يفتش فيها عن ما شده للإعجاب بها، إنها بيضاء وهي ليست جميلة لأنها بيضاء فسلفتها الخائنة كانت سمراء لكنها كانت رائعة لأبعد حدود الخيال، إنهن متشابهات في شيء ما وكأنهن واحدة، لا إن الهاربة تلك كانت أجمل منها بكثير، ولكنه أقفل عن فكرته متسائلاً، ما الذي جناه من جمال تلك الخائنة حين فلت هاربة، لم يعد الجمال يهم، يهم الوفاء، وهنا أطلق حسرة لا حدود لها، آه من تلك العملة النادرة، هل يمكن للوفاء أن يتواجد، أم أنه وافر عند كل الإناث ومن كانت بالماضي حبيبته هي التي شذت عن بنات جنسها، إن الله قد عظم فيهن كيدهن حين قال إن كيدهن عظيم، إذا فليست الأنثى محل ثقة، ليس فيها ما يضمن الاستمرار، ما يضمن الوفاء، بمقدور أياً منهن الفرار متى شاءت وحينما تقتضي الضرورة لديها، عجباً من هذا، عجباً من الإناث ومن كل هذه الأفكار، فماذا تقول الأنثى عن الذكر إن أتت على ذكره بصمت تجرده كما هو عليه من حال بتفكيره، لقد سمع إحداهن تصف الرجل بالأفعى، تصوره بملمسه الناعم يتسحب لفريسته ليلدغها فجأة ويبث سمه ويتابع انسحابه بذات النعومة التي جاء بها، بذيء هذا النعت ولكنه فرضي وقد يكون له بالواقع مكان، وماذا تقول هذه الجميلة عن الذكور، ماذا تقول هذه الجميلة التي تبدو وكأنها البدر في هذه الظلمة، لا لن يطلق عليها اسم البدر كي لا تفل مع بزوغ الفجر وانحسار الظلام، سيسميها الشمس لأنها مبعث الدفء، كلمة الدفء كلمة جميلة، آه من هذه الكلمة التي تحمل معاني جوهرية في مضمونها.
طرح فكرة جديدة للنقاش
عاد للتفكير من جديد
متى تستطيع الأنثى بث الدفء للرجل، هل هذا يكون في الفراش وحسب، أم يكون هذا قبيل اللجوء للفراش، أم هي تعطي الدفء من مشاعرها وليس من جسدها، من الممكن أن يكون الدفء من المشاعر والجسد معاً، ولكن، كل هذا لا يهم، المهم أن الدفء شيء جميل، شيء محبب للرجال، وهل الإناث يفتشن على الدفء عند الرجال، هل هذا شيء محبب لهن، وأين يكمن الدفء عند الرجال في الجسد أم في المشاعر، عجباً من جهلي بهذه الأمور، إنها فكرة رائعة أن أعرف هذا الجواب، أنا أحتاج لأنثى أسألها هذا السؤال، فمن أين لي بأنثى في هذا الليل البهيم، هل أسأل تلك التي تقف على النافذة، وكيف أسألها، فكرة جميلة أن أسألها ولكن الطريقة التي سأتبعها ستكون العائق الذي علي إيجاد حلاً له، لا ليست الطريقة بل هي موافقة فتاة النافذة على الحديث أولاً.
نعم سأتحدث إليها ويجب أن تلبي ندائي فلست ممن امتهن العبث بمشاعر الإناث، أنا لست أفعى، أنا لست أهتم الآن من أكون، أهتم أن تلبي تلك الجميلة البيضاء نداء استغاثتي، فهل سألقى الصد، وماذا لو لم ألقى الصد ماذا سأقول لها، إن الكلمات الأولى ليست بالصعوبة التي تذكر ولكن الصعوبة بما سيليها من كلمات، أنا ليس لدي الاستعداد للحب والعشق أو للزواج، ألست أنا من قال هذه الكلمات، ألست مؤمناً بهذا، إذا فلماذا أحادثها ما دامت استعداداتي متلاشية، يجب أن أتجاوز هذا، يجب أن أحادثها ونتيجة الحديث هي التي ستحدد العلاقة التي ستقوم بيننا، أي علاقة، لا، لن أبحث في المضمون فمحادثتها فكرة جيدة حقاً، بل فكرة ممتازة، وأنا سأشير لها بيدي وليكن ما يكن.
ولكن!!!
لمن سيشير ذاك المطرق، ذاك المفكر، سيشير لفتاة النافذة، أي نافذة وأي فتاة، اتخذ قراره وباشر في التنفيذ فإذا الفتاة ضاعت، والنافذة أغلقت، الحلم تلاشى، لعنة الله على هذه العادة، كان يفكر وينظر لمرمى قنابل التبغ فأضاع التفكير حتى نور عينيه، لم يبصر سيجارتها التي رمت بها حين انتهت، وكان ذلك حتماً قبل أن تقفل عائدة للداخل، أضاع التفكير كل شيء وسيطر على مسامعه، لم يسمع صوت النافذة عند إغلاقها، فانطلق للتشكيك حتى لا يسلم أن التفكير قد صم أذنيه وأغمض عينيه، لعل الصوت السابق لم يكن من نافذتها، هكذا كان لسان حاله يقول، وأردف مستاءً:
ما هذه الشكوك التي تساورني، إنها تفقد المرء حتى ثقته بنفسه، أنا لا أحب الرجل المهتز عقلياً، أحب، بل أنا أمجد الرجل المتزن الواثق من نفسه، إن الشك مرض نفسي وهو قاتل وخطير، قد يقتل صاحبه، ولكن أليس الشك هو أب لكل الاكتشافات العلمية، بل حتى الفلكية، أما أنا فلست بقصد اكتشاف علمي، أنا في قصد فتاة النافذة التي ضاعت، لا بل للشك هنا مكانة غير مستهان بها فهي قمر، بل هي نجمة سطعت في عتمة هذه الليلة فجعلتني مراقباً فلكياً لها أحدد مسارها وأبعاد حركاتها، تلك النجمة أقنعتني بجواز الشك، ولكن أين اختفت نجمتي، هل ملت من صمتي الذي طال، أم هي لا تحب التفكير الذي يلازمني ملازمة ظلي لجسدي، هل تعبت من وقفة لم تعتادها طالت زمناً ليس باليسير، أم أنها لم تكن موجودة أصلاً ما دمت قد اقتنعت بجواز الشك.
وسرعان ما انقسم على نفسه، إن التدخين مأساة العصر، إنه عادة كريهة يجب ألا أتمنى لمن يحب أن يسعى لهذه العادة الكريهة، لكنني من خلال هذه العادة يمكنني رؤيتها، رغم أن هذه العادة كريهة، نعم إن الدخان عادة كريهة، هي مصروف مادي غير مستهان به، هي بؤرة لأمراض عديدة، رائحته تتجسد في الفم والثياب والأصابع، شيء يدعو حقاً للاشمئزاز وهذا شيء مؤكد، ولكن، ماذا لو سلمنا بهذا الأمر المقزز لرجل مسرف في التدخين، سنسلم بهذا الأمر الواقع لبرهة، ولكن كيف سيكون الأمر بالنسبة للجنس الآخر، للجنس اللطيف، أظن أن أنثى تتجسد فيها رائحة الدخان وتلاصقت بكل ما فيها من ثياب وجسد قد تولد حالة قيئ عند الرجل ولن ندعوها بالجنس اللطيف، إنها جنس يا لطيف، الجنس الغير نظيف، وماذا لو تحادثت مع فتاتي هذه فأفزعتني برائحة الدخان التي تفوح من فمها.
آه أيتها المدخنة الليلية، شغلت ليليتي فحلت دون استرسالي في التفكير، أضعت علي المتعة التفكير فأين أنت، أريد رؤيتك، أريد خروجك، أريد محادثتك، فلعلنا تنفق، لعلنا نهوى بعضنا ونحب، قد آمنت بالأمر الواقع ورضيت، اخرجي فأنا أحبك، لقد وقعت في مصيدتك وانتهى الأمر، اخرجي فقد شقشق الفجر وتبعثرت الخيمة السوداء إلى قطع، لقد تشابكت خيوط الفجر المهاجمة مع خيوط الليل المنسحبة، إنه منظر بديع، اخرجي لتعيشين شاعريته، اخرجي فتنفسي معي تلك النسمات الباردة التي ترافق هذا الوقت، اخرجي فقد تعبت، أنا لم يرهقني السهر يوماً، لم تحطمني الأفكار على صخرة الإرهاق، ولكنني اليوم تعبت، تعبت من الانتظار فاخرجي، هذه الشوارع ملت الفراغ وهؤلاء المصلين يسعون للمساجد، لقد دبت الحياة في الشارع فاخرجي، اخرجي لترين معي جمال الحي في هذه اللحظات، إن شارعنا جميل جداً وإني أراه اليوم أجمل من أي يوم آخر، أراه كذلك لأنك آنستي وحدتي في ليلتي هذه، آنستها رغم ما عذبت فيا منذ بدء صوت فتح النافذة، حتى اختفاؤك، آه لو تعلمين أنها أروع نافذة وأنك أروع فتاة على نافذة.
عاد صوت النافذة من جديد، كان حينها قد داهمه اليأس فأخفض رأسه، رفع رأسه مباشرة فور أن تحسست أذناه ذاك الصوت، رآها وهي خارجة لتوها بقسم جسدها العلوي، رآها تضع فكها على كفاها لتسندهما على يداها اللاتي اتخذتا حافة الشرفة مسنداً، هي لا تنظر للأسفل، هي تطلع على هذا الجو الساحر الشاعري الأخاذ، ذاك المنظر الخلاب الذي أبدعه رب السموات والأرض، إنه يراها الآن أكثر من ذي قبل، لقد ساعده ضوء النهار أكثر من ضوء غرفتها، تمعن في وجهها وتفاصيله.
جميلة أيتها الفتاة، جميلة كهذا الصباح الذي أوشك على نشر نوره، ونشر نور وجهك، أتمنى أن أقضي عمري هنا أنظر لعيناك، أشبع ناظري من جمالك، ولكن، ولكن ماذا لو نظرت إلي الآن وشاهدتني أنظر إليها، أنتظر إطلالتها، كقديس يترقب كرامات ربه في تعبده، ألن يكون هذا الأمر معيباً لي من وجهة نظرها، بل ومن وجهة نظري أنا أيضاً أمام نفسي، فماذا أفعل إذاً، هل أتوارى بعدما حلمت بخروجها أحلاماً لا توصف، هل أظل في سيرتي غير آبه لأي وصف تطلقه علي، لن أضيع أكثر، سأتخذ لنفسي موقفاً ما بين هذا وذاك، سأسرق النظرات علَّ عيوننا تلتقي فجأة، إنها فكرة جيدة لكنها مخاطرة، نعم قد تختفي، ولكنني مرغم هنا على المجازفة، أنا لست من هواة المجازفة ولكنني سأجازف حفاظاً على كرامتي، وسأنجح، بل يجب أن أنجح.
أسقط بصره للشارع الخاوي ثم سرق نظرة، إنها تمشط الشارع بنظراتها ولا تنظر إليه مباشرة، فشلت محاولة تلاقي العيون في جولتها الأولى، لم يتبقى متسع من الوقت لجولات عديدة، النهار يهدد بنشر نوره، نور النهار سيكشف الحي بمن فيه، سيوقظ النائمين، ستخرج العشرات من العائلات لشرب القهوة على الشرفات وحينها سيكون قد خرج من مباراته خاسراً.
استاء من كلمة مباراة، عقد حاجباه غيظاً، ولكنه سلم بالأمر الواقع، سلم بأنه أمام مباراة، قال لنفسه سأكون قد خسرت جولتي الأولى وفي الليل ستكون الجولة الثانية، أي ثانية، أي ثالثة، إنه تفكير انهزامي الذي أفكر فيه، هذا يعني أني رضيت بالخوف والهرب، الهارب مرة متردد دائماً، لن أرضى لنفسي الهروب مطلقاً، سأعيد الكرة فعسى أن أنجح، عسى عينانا تلتقي وأنتهي، أنتهي، كلمة بشعة كلمة النهاية هذه، نحن إن التقت عينانا فسنبدأ.
رفع رأسه يختلس نظرة فالتقت العيون، عيون جميلة، وجه نقي لم تلوثه المواد المصطنعة الملونة، ملامح بسيطة وبريئة، معالم طفولة، وجه لم تفارقه الأنوثة بل هي سيل يغدق بالأنوثة، رفع رأسه فثبته دون حراك، إنها تنظر له لم تحول عيناها عنه، ظلت تثبت نظرها نحوه، من المؤكد أنها تتساءل عن نظراته، لعن الله الإسراف في التفكير، طال تفكيره ويخشى أن تحول نظراتها عنه، خاف من هذا ولهذا فقد استمد كل قوى جسده فعبئها في يده، رفعها بعد جهد وتردد، إنه لا يحب التردد، إنه يخاف صدمة، سيطر على نفسه، وأخيراً انطلق الصنم الحجري للتنفيذ، أشار لها بيده ليرمي عليها التحية دون لفظ، وأردف بابتسامة، هي ظلت على حالها ذاتها، لم تتغير ملامحها للغضب، هي ليست شاردة الذهن، إنه يقرأ على وجهها إمارات استغراب من إشارته التي فوجئت بها، هي لم تبتسم، إذاً هي لم توافيه، لم تلبي نداؤه، لا بالتحية ولا بالابتسامة، لماذا لم توافيه، حطمت فيه أمله في حديثها رغم إشعالها لمشاعره وكذلك أحاسيسه، لا بد وأنها ظنت أنه يرمي التحية على سواها، ليست لها، فلماذا لا يعيد ما فعل، لماذا لا يجمع قواه مرة أخرى ويسخرها لتحية من ليست تدري أن التحية لها.
حياها بعد جهد كبير، دون ابتسامة هذه المرة، ولكن هي من ابتسمت، عرضت ابتسامتها، أومأت له برأسها ترد التحية، أغمض عينيه فرحاً بما هو فيه، ما أجمل تلك الابتسامة، صورت له ابتسامتها أنها وردة، إن الورود جميلة مهما كان حالها، لا إنها رائعة إذا تفتحت وعبق أريجها في الفضاء، لذا فحين ابتسمت استنشق أريجها وملئ صدره من ذاك الأريج، وتبسم لها، وتساءل، هل سيقضيان ما تبقى لهما من وقت قبل أن تتراكض المراقبين للشرفات وهما على أخذ ورد ما بين ابتسامة وأخرى، عليه الآن أن يتخطى ما قد وصل إليه إلى ما بعده، عليه أن يجتاز مرحلة أخرى، يجب أن تنطق الشفاه، إن ثبات الشفاه ليست في صالحهما، إنه يشعر أن أمرهما بات واحد ولذلك يقول في ذهنه كلمات الجمع، ولكن ماذا ستلفظ الشفاه، ماذا يتوجب عليه أن ينطق للمرة الأولى، للحظة الأولى، أيسعى لترجمة حركة يده بتحية الصباح أم يشبع ما جال في خاطره طيلة الليل من أسئلة ومن تفكير، هل يبدأ مشواره الكلامي بأن يستعلم عما استغرب وعجز عن الإجابة عنه، هل يسأل عن سبب قلقها، عدم نومها، أم يستعلم عن اسمها، عن حالها، وضعها العائلي، هل هي فتاة عذراء أم متزوجة، لا، إنها فكرة غير مصيبة، فليس من رجاحة العقل أن يباشر حديثها ببث القلق الذي تحكم في أعصابه وفي كيانه عما إذا كانت متزوجة أم لا، ستتفهم أمره بما ليس يقصد، وهنا ستكون آثار كلمته تشبه آثار أعقاب سيجارتها عندما تصورها قنبلة، إذا من المعيب أن تخرج من فم فتى في بدء الصباح قنبلة، إذاً ماذا ينطق، ماذا يقول، يجب عليه اتخاذ قرار، قرار سريع قبل فوات الأوان، عليه أن يتشجع لأنه مؤمن بشعار رصت حروفه في بيت من الشعر
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
ـ صباح الخير آنستي
ـ صباح النور
ـ ماذا تفعلين طوال هذا الوقت من الليل
ـ أنا أعمل، فما الذي تفعله أنت
أربكته بهذا السؤال، زلزلت أركانه، أراد أن يفكر بما سينطق وهو يستغرب عملها، كانت حواسه جميعها ترفض التفكير الطويل الذي يحيط نفسه به، أفهمته حواسه أنها في حالة اضطراب، أراد أن يأتي بفكره على ذاك الاضطراب الذي حصل في. . ، رفضت حواسه التذكر فأجاب مرغماً دون أن يفكر
ـ ساهر أرعى النجوم أيتها الآنسة، ألست آنسة
ممازحة واستفسار بجملة واحدة، ما كان يصدق ما يقدم عليه، وما كان يصدق اندفاع تلك الفتاة التي أجابت فور أن أتم كلماته
ـ نعم أنا آنسة واسمي غنوة
لا، لا تفعلين هذا رجاء، أين تذهبين، لماذا تغلقين نافذتك فهي مصدر سعادتي في هذه الليلة، أُصيب بالإحباط لأنها أفلت لكنه أخذ يتلمس لها الأعذار، من المؤكد أنها فرت من دخيل داهم غرفتها، لابد وأنها كانت تود متابعة ما قد بدأنا لولا أن خطر ما أفزعها ، أنا حزين لهذا، لقد حطمت فؤادي أيتها الفتاة، أيتها الغنوة، وآه ما أجمل اسمك يا فاتنتي، وما أروع حديثك يا آنستي، اخرجي يا غنوة، اخرجي أيتها الحبيبة، اخرجي قبل أن أفقد أعصابي، لا أنت لست غنوة بل ومضة، أنت ومضة أبرقت فأفلت تريد أعصابي سعيراً تحترق، إن كنت تريدين هذا فاخرجي قد احترقت مع أعصابي وبت رماداً بعد الاحتراق.
وتساءل؟.
ماذا لو كان باستطاعتي تسلق هذا المبنى لأقف عند نافذتك أنتظر إطلالتك، ماذا لو كان بمقدوري هذا، سأكون أمامك وجهاً لوجه، سأنتشي عبيرك، سأستنير بوجهك، وأدقق في معالم ذاك الوجه الذي تملكه من أوقعتني صريع حبها، لا لست صريع حبك أيتها الفتاة بل أنا لا أزال صريع إطلالتك وصريع نافذتك.
توقف عن التفكير فجأة، ابتسم، ثم ضحك ضحكة خرجت من الأعماق، خجل من صوت ضحكته، نظر حوله يمنة وشمالاً خوفاً من سميع أو ناظر له وهو يطلق هذه الضحكات المعيبة، هذه قلة أدب، هكذا سيقول الجيران، بل سيقول من ينظر إليه أنه أرعن مستهتر، وسيقول من تمكن من سماع صوت ضحكته والوقوف عند الفكرة التي طرحها، سيقول أنه جن، لكنه لم يجن بل عاد لتفكيره العميق، توارى خلف أفكاره وأحلامه لينسى فشله، بل هي استحالة فكرة تسلق جدار المبنى، ولذلك أطلق ضحكاته، ولهذا الأمر راح يؤنب نفسه وغاص في أعماق الفكر.
إنه داروين، ذاك العالم الذي خرج بنظرية لم تعجب العالم، انقسم العالم أمام نظريته ما بين مؤيد ورافض بشدة، قد فاجئ داروين العالم حين قال أن أصل الإنسان قرد، أن الإنسان أصبح بصورته الحالية نتيجة التطور، أنا لم أكن أؤيد هذه النظرية لا من قريب ولا من بعيد، أنا مؤمن بخالق هذا الفجر، هذا الليل المنصرم، أؤمن بأن الله صدق في كل ما قال، وقال الله جل في علاه، إنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، الإنسان خلق، الإنسان لم يتطور تطوراً، أنا قبل هذه النظرية كنت أؤمن بشعار مفاده إذا تعارض العلم مع الدين فخذ العلم، ولكن داروين تعارض مع القرآن فبؤسا لداروين، بؤس لمن سقطت نظريته بعد كل تلك السنين، ليس بنظري فحسب بل بنظر كل العلماء أمثاله وليس العلماء المسلمين، ولكنني ألتمس هنا لداروين العذر، لا بد وأن داروين قد تعرض لمثل ما أتعرض له حتى أراد تسلق الجدران كالقرد ليرى حبيبته، ونحن البشر تسلقنا الجبال، تسلقنا الفضاء، تسلقنا القمر، إن التسلق غريزة، وتوقف عند كلمة غريزة،قال ليسقط داروين، ليس لأنه يهودي بل لأنه فاسق فاجر، فكيف ادعى في نظرية أخرى أن الطفل يرضع ثدي أمه بدافع الغريزة، ليس غريزة البقاء ما كان يعني ذاك الفاجر المومس، كان يقصد الغريزة الجنسية، قبحك الله يا داروين.
نظر للنافذة المغلقة، قال في نفسه: لن تكوني أفضل من سواك.
كانت كلماته هذه تدور برأسه متتابعة، سريعة، ففتحت فتاة النافذة نافذتها، ابتسمت له، أومأت له بالوداع، أشارت له هي تريد النوم، أنهت حركاتها ودخلت تغلق النافذة، نظرت له من خلف الزجاج، ما زال في وقفته لم يحرك ساكناً، أعادت فتح النافذة، صدر عنها ذات الصوت ولكنه أصبح ضعيفاً، أشارت له بيدها اذهب للنوم، ثم أضافت لذاك الساكن حركة استفسار، هي تسأله ما بك، تحركت حجرات بنيانه، طلب منها بالإشارة يريد لقاؤها، كررت حركتها اذهب للنوم، لم تجد مجيباً، أعادت حركاتها ثم ملت، يبدو عليها العجالة فأغلقت نافذتها وهي تشير له نم وغداَ لنا موعد، واختفت.
طال به الانتظار فأقفل عائداً وعينيه لا تريدان مغادرة النافذة، استلقى في فراشه يفكر وهو لم يعتاد التفكير في الفراش، كانت الشرفة تقضي على كل أفكاره وترسله للفراش طريحاً، صارع النوم طويلاً، نهض من مكانه، اتصل في رؤساء عمله، لن يعود للعمل حتى أجل غير مسمى، هو مسافر، بل كان يكذب، هو سيبقى راصداً تلك النافذة، عاد لفراشه يفكر، نام وهو يفكر، واستيقظ وهو يفكر.
عند المساء خرج لشرفته، استاء لأنه نسي كراسته وكتبه، هرع إليهم يخشى أن تكون آثار الشمس فيهم مؤلمة، اطمئن بالاً عليهم فهدأ، لهفته على أوراقه وكتبه أنسته النظر للنافذة، رمق النافذة بنظرة، مغلقة هي وخاوية، جلس على كرسيه، فتح كتابه وضاع، هو عندما يفتح بين يديه كتاب ينسى انتماؤه لأي كان، لا يذكر سوى أوراق كتابه، هو يقرأ بتمهل لأنه يريد استيعاب ما يقرأ، يريد ترسيخ الأفكار، هو لا يتصفح كتاب، بل يقرأ كتاب، يريد هضم كل كلمات الكتاب وتذوق طعمها.
فتحت غنوة نافذتها، رأته يقرأ، أشعلت لنفسها سيجارة تنفثها وهي تراقبه، هي لا تستطيع التدخين إلا على الشرفة كي لا يشم أحد سكان الدار رائحتها، النافذة هي خلاصها الوحيد، شارفت سيجارتها على الانتهاء، هو يغط بين دفتي كتابه، ظنت أنه يعاملها بغير مبالاة، أغلقت النافذة وفتحتها مراراً لتنبهه من خلال ذاك الصوت الذي تحدثه، تمنت أن تماثله في هذا الضياع، لكن أعداء الكتاب في دارهم ليسوا كثيرون، بل أسرتها مجتمعون، هي سألت عن هذا الفتى الكثيرات من بنات الحي، هي تراقبه منذ زمن وهي تحبه إلى حد ما، وهي اعتادت على غيابه لساعات مع كتابه، مضت لعملها وعادت مرات عدة، النافذة تفتح وتغلق، وهو يغلق على نفسه في كتابه.
ضرب براحة كفها على جدار المبنى الذي خرجت منه هذه النافذة، ثلاثة ضربات عنيفات بعد منتصف الليل ستنبهه حتماً، تنبه للطرقات، لم يتنبه أن الطارق هو من سلبه عقله، وأنها من يريد حديثه، أقفل كتابه وشرع يقيم ما قرأه، تذكر صوت الضربات، تذكر فتاة النافذة، استاء لأنها لم توافيه، هو لا يحب الكذب وهي من وعدته، لماذا لم تخرج، نسي انه كان بعيداَ عن الدنيا، رفع رأسه باتجاه النافذة وفي قلبه حسرة على هذه الفتاة التي تكذب، تفاجئ بوجودها، ابتسم، خفق قلبه، كاد قلبه أن يغادر قفصه، لقد وفت بوعدها، حياها بابتسامة وكل صادق يجب أن يُحيى.
ـ مساء الخير، لقد تأخرتِ كثيراً، لست أدري ما سر لهفتي العجيبة لرؤيتك، انتظرتك بفارغ الصبر.
جرت كلماته متتابعة دون تحفظ، ليست تهمه التحفظات، يهتم للصدق في الحديث وليس إلا
فأجابت:
ـ أنا لم أتأخر، أنت من كان غارقاً في التفكير وقراءة كتابك، أنت لم تتنبه لخروجي.
وكان يخشى سميعاً لحديثهم فأخبرها برغبته في لقاؤها منفردين والتحدث معها وأن حديث كهذا لا يجب أن يكون في العلن، هي لا تملك ما يصبو إليه، لم تخجل من تلك الكلمات، عبرت عن عجزها أمام أمانيه باللقاء منفردين، اتبع ذات الأسلوب الذي اتبعه مع حبيبته الخائنة في الماضي، طلب منها أن تستقبله عند الباب ليحادثها، أوضحت له من تعابير وجهها أنه قد أساء بكلماته وقالت:
ـ لقد أسأت فهمي كثيراً، أنا لا أستقبل عند باب دارنا من لا يريد دخول الدار، أنا لست خائنة لإخوتي ولأبي، لست خائنة لنفسي.
انطلقت بكلماتها ترصها فور أن طرق بحديثه تلك اللصوصية في الوقوف سراً عند باب الدار، وكانت غاضبة جداً مما نطق، الغضب يبدو عليها جلياً، هو لم يستاء لأنه أغضبها بل سعى بفكره لمسار مختلف.
كلمات رائعة وجميلة، هي لا تحب الخيانة، هو لا يحب إلا هذه الأفكار، وهو لن يحب إلا هذه الفتاة لأنها من فتش عنها طويلاً، عليه أن يعتذر عن كلماته التي نطق بها، ليس من العيب أن يتأسف وقد أساء، فكر في الطريقة التي ينبغي أن يحذو للتكفير عما اقترف، رشف من فنجان قهوته فتبين له برودها، لم ينتبه لتلك الساعات التي مرت به، لكنه اعتاد أن يشرب قهوته باردة، أخذ رشفة أخرى، عاد للنافذة، النافذة مفتوحة والفتاة غير موجودة، أراد أن يعود بنظره لكنها ظهرت، كانت تحمل بيدها شيئاً.
قالت: هذه لك.
رمت ما بيدها دونما انتظار
يؤلمني أيها السيد أن أكون على مدى هذه الأيام جاهلة أمر مفاده أن الشبان مهما تفاوتت ثقافاتهم وعلمهم فهم أمام المرأة سيان
أراقب وقفتك هذه منذ فترة طويلة، كنت أحتاج حديثك، سألت عنك أهل الحي الذين مدحوا أخلاقك، تمنيت الارتباط بك أو بشخص في صفاتك، كان هذا في الماضي القريب، أنا الآن أعتذر من نفسي لأنني أخطأت التقدير
أصابته بسهم قاتل لا هوادة فيه، مزقت قلبه، بل فتت قلبه قوة سهامها، كان بالأمس يتساءل عما تقول الفتاة عن الذكر، تذكر الأفعى والسم، وها هي تنطق ذات الكلمات بقالب غير ما فكر فيه في ليلته الفائتة، هو واضح ويحب الوضوح، لكنها أخطأت فهم كلماته، هو لا يحب هذه التصرفات الرعناء.
تخبط في أفكاره كثيراً، نهض فلملم كتبه وكراسته ودخل غرفته يسجل على الورق ما كان به من حال، تغير أسلوب حياته للمرة الأولى، غادر شرفته قبل أن يرسي الفجر والنهار إطلالته، غادر متوعداً، وقضى الليل يكتب متوعداً، سيرد لها هذه الكلمات، سيقول للدنيا من ملك ثقافة ليس كمن لا يملك، ليس الجاهل والأمي بذات المرتبة، واللبيب يفهم من كلمة يقرأها، والغبي لا تنفعه الكتب ولو قرأها، بل إن الغبي لن يقرأها.
في رأسه فكرة تتعاظم شيئاً فشيئاً، لا يريد الخوض في تفاصيلها، لا يريد أن يفكر فيها، شعر أن ما سيقوم به لو دخل حيز التفكير فلن ينتهي خلال قرون، تذكر كتاب كولن ويلسون، كتاب كتبه ولم يتعدى العشرون عاماً من عمره، اعتبر هذا الكتاب مفاجأة العصر، كتاب يستحق أن يقرأ، وهو قرأ هذا الكتاب، اللا منتمي، هكذا أسمى كولن ويلسون الكتاب، أبدى شخصيات عديدة غير منتمية، بدا الشخص الغير منتمي في كتاب ويلسون مقزز، هو لا يريد أن يكون مقززاً، هو لن يسعى للتفكير فيما سيقدم عليه لأنه اختار طريق المباغتة.
وفي مساء اليوم التالي وقف عند باب دار الفتاة، طرق الباب وليس يريدها أن تفتح النافذة، يريدها أن تفتح الباب، وفعلت
ـ مساء الخير آنستي، هل السيد الوالد موجودا؟.
ـ نعم، لحظة واحدة لو سمحت.!
فتحت فتاة النافذة الباب من جديد
ـ تفضل.
أشارت له بالدخول فمشى خلفها ودخلت به إحدى الغرف
ـ معذرة فالوالد يصلي وسيكون هنا في الحال.
ابتسم وقال هامساً:
ـ ما رأيك بمن يدخل البيوت من أبوابها؟.
ـ ما ظننت لحظة أن من يقضي الليل يفكر قادر على هذا الجنون.
ـ ومن قال أن القارئ المثابر ليس بمجنون، هو يفعل ما لا تفعله سائر البشر إذا فهو مجنون.
وتلاحقت الأحداث
عاد لداره لا يفكر بل يكتب على الورق ما علمته الكتب وما علمته تلك الأفكار التي قضت على ليال حياته، تلك الليلة نام دون أرق، لم يستلقي على فراشه أنهكه التفكير فنام كمن في حالة سكر، كان سعيداً وهو يستلقي، سعيداً وهو ينام.
عند الصباح نهض نشيطاً، نهض حين كان يعتاد النوم، صنع لنفسه فنجان من القهوة وجلس يشربه على صدى صوت فيروز، الصوت النسيم، كان سعيداً لا يريد أن يفكر لألا يعكر يومه لكن طرقات على الباب جعلته يتساءل: من في الباب في هذا الوقت
رفض أن يفكر، سيفتح الباب في جميع الحالات فلماذا يتساءل، وفتح الباب، ما توقع رؤيتها عند الباب
ـ صباح الخير.
ـ أهلاً غنوة صباح الخير.
إنه في ذات الذهول الذي رماها به في الليلة الفائتة
ـ تفضلي آنسة غنوة.
ـ أنا جئت أرد لك زيارتك، كانت زيارة رائعة، ما جرى البارحة شيء يدعو حقاً للإعجاب بشخصك.
ودخلت غنوة لتتحدث بما لم يتخيله المفكر:
ـ أنا على ثقة أن زيارتك ما كانت إلا جراء رسالتي التي كتبت لك، أنا جئت اليوم ليس بقصد زيارة نزق كالتي جئت بها، جئت كي أقول لك أنت حل من أي شيء قد ألزمت نفسك به البارحة وأنت تسعى لاقتحام البيت، ولنعتبرها زيارة ود بين الجيران، أنا لا أريدك أن تتخذ قرارك في يوم وليلة.
ـ أنت جريئة وغريبة الأطوار وأنا معجب بك إعجابا يفوق الخيال.
مدت يدها إليه، كانت تحمل في يدها حقيبة كبيرة ورائعة، هذه لك، هكذا قالت، تساءل ماذا داخل هذه الحقيبة الرائعة، لا بد أنه شيء رائع، أعادت الحقيبة واستخرجت منها القبعة السوداء
ـ هذه هدية مني لك، ضعها فوق رأس من ستكون زوجة لك في المستقبل
ـ ولكنها سوداء؟.
قال هذه الكلمات ضاحكاً فأجابت:
ـ لماذا ترتدي المرأة فستاناً أبيض ويرتدي الرجل بذلة سوداء، هل تكون فرحة بزواجها ويكون حزين
ـ لست أدري؟.
ـ إذاً أنت تجهل أمراً بعد كل هذه القراءة؟.
ضحكا، سخرا، أعاد القبعة لذات الحقيبة،وقال لها مبتسماً:
ـ لن يرتدي هذه القبعة سواكي ولن أرتضي أن أزف إلا لمن ترتدي هذه القبعة السوداء



تمت في حلب
19/6/1996
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
القصة الطويلة .. القبعة السوداء / صادق أسود
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشبكة الأدبية :: المنتديــات الأدبيــة :: منتدى القصة والرواية والمسرح-
انتقل الى: