الشبكة الأدبية
أخواني الادباء والكتاب وزوار الشبكة الادبية ’’’ ننتظر تسجيلكم ومشاركتنا بأقلامكم

الشبكة الأدبية


 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
تابعوا صفحتنا ع الفيس بوك

شاطر | 
 

 القصة القصيرة / أبا جهل / لـ صادق أسود

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صادق أسود
كاتب
كاتب


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 49
العمل/الترفيه : كاتب ومخرج مسرحي

مُساهمةموضوع: القصة القصيرة / أبا جهل / لـ صادق أسود   الأحد مايو 13, 2012 9:09 am

أبا جهل

أنا لا أتوقف عند الباب خجلاً من هذه الناس المجتمعين، أنا أقف لأعانق الماضي مع من سقطت عليها عيني من بين الحاضرين، إنها هي، وهي ما زالت قادرة على إطلاق ضحكاتها التي تدغدغ الدنيا بمجملها وتحرضها للضحك معها بسلاسة متناهية، مازالت رغم كل تلك السنين بذات الهيبة والاتزان، رغم المرح الذي أمسى بطبيعته قرينا لها، إن أوصافها لم تتغير وكل ما كنت أراه في الماضي جمالا أخاذا يضج حيوية فيها، فلا أثر للسنين فيها، ولكن ماذا أثرت في شخصي هذه السنين.
إنها الأنثى التي طرقت أبواب قلبي لأول مرة في حياتي، وهي الأنثى التي أمسكت بيدي تسحبني للبحر ذات يوما لنضيع بين موجاته وقطرات ماؤه التي ما كنت أراها جميلة إلا وهي تسيل من أواخر خصل شعرها، فوق أكتافها، أو فوق ما يبان من صدرها الغامض بمعالمه عن عيناي حينها.
ضحكاتها المتتابعة التي تطلقها في مجلسها هذا لا تؤكد أنها في انتباه لوجودي بين الجالسين وإلا فقد كانت بحاجة لبرهة من الزمن تتنسم بها عبير الماضي بغباره التي علته خلال تلك السنين، أذكر الآن كل ما كان بيننا من كلمات ومن أحاديث، كل ما كان بيننا من أحداث حاضرة نصب عيناي في لحظتي هذه، فهي تحب البحر وتشعر بميل غريب للحظة الغروب فيه.
قالت لي يوما:
ـ غوص الشمس في البحر هذه اللحظات ليس مجرد غياب وغروب، وليست طقوس وداع اعتيادية، فهي تغتسل قبل أن تلتقي حبيبها في عتمة الدنيا على فراش لست أدري ما نوعه لكنه فراش يحملها بعظمتها وهي الشمس مبعث دفء الكون.
قلت لها:
والقمر؟.
قالت مترنحة في مشيتها:
أتدري ما سر خروجه بعد أن تستحم الشمس وتغيب؟.
ما كنت حينها أملك جوابا أمام تلك الكلمات التي أدهشت مسامعي فلذت بالصمت لأن الصمت قد يفسر حينا أمام البعض أنه استرسال في التفكير لا غباء في الحديث، شعرت حينها أن الغباوة اقتلعت مني العقل وأردتني في ركن معتم حيث ألقب فيه بأبي جهل، كما كنا ننعت بعضنا صغارا في المدرسة حين يكون بيننا مقصر في واجباته المدرسية، ولأني لذت بالصمت فقد أردفت دون اكتراث:
ـ إن القمر حارس كلله الخالق بالبياض لأنه وهو المطلع على كل أسرار الليالي لا يبوح بشيء منها، وهو إن خرج بعد غيابها فهذا كي لا يعبث أي فضولي بأسرار تلك الخلوة الخالدة فيفتش عن مخبأ الشمس وينقل ما حُرم علينا الإطلاع عليه من أسرار عن علاقة الشمس بحبيبها الخفي.
وقالت بعد توقف:
ـ أتدري ما كسوف القمر؟
وأضافت تجيب:
ـ هي لحظة خجل تنتابه من لمحة عن غير قصد للشمس وهي في حالة ما مع من استحمت قبل رؤيته.
غريبة كانت بأفكارها، وغريبة بكلماتها التي تختلقها في حينها، وكذلك هي غريبة في ضحكاتها التي أطلقتها ذاك المساء كما تطلقها هذا المساء، وغريب أنا في صمتي وفي ذهولي وتساؤلاتي التي لا معنى لها وإن كانت تحمل سراً المعنى الذي لا أحبه ألا وهو الغباء.
فقلت لها:
ـ وماذا عن البحر؟.
أسرعت حينها تركض نحو الشاطئ ورجلاها تغص في الرمال فتنثرانه خلفها رغم خفة جسدها، فإن ما لامست المياه حتى راحت تنثره بيديها ترشقه للأعلى ليعود إليها مبللا جسدها وكأنه المطر.
ومن ثم عادت إلي تسحب بأصابعها خصال شعرها لتجفف الماء عنها.
قالت:
ـ هل وصلك الجواب، إن البحر حياة ثانية، عطاء غير محدود، يرفض أي شريك ويلفظ من يريد الاستيطان به، يكفيه فخرا أنه العظيم الذي يطوق الدنيا بمن فيها ويحضنها.
وأنا أتساءل هذه الليلة0000أما زالت تلك الكلمات بواعث حقيقية لنهج حديثها، وقد حافظت عليه كما حافظت على ضحكاتها، أم ثمة شيء تعرضت له عبر تلك السنين فاقتلع منها ذاك السحر في التعبير.
وأنا أتوق لأن أنهض من مكاني إليها لأسألها، كما أتوق لأن تكتشف جلوسي بين الجالسين دون أن أنهض إليها فأذكرها بما كان بيننا منذ سنين 000
وأتوق لأن أبقى في موقعي هذا أنظر لها بعيون خائفة من فقدانها وهي تطلق الضحكات في ذاك الحديث الذي يغيب عني مجمله، كما أخشى أن تصدح الموسيقى لأنني سأفقدها لا محالة، ستختفي دون أن تترك خلفها أثرا فهي لا تحب الحياة الصاخبة والحركات المصطنعة، هي تحب الرقص دون تكلف وليس بوسعها أن ترقص أمام هذه الجموع دون تكلف أو حذر.
أريد أن أصيح بها لترسل عيناها الجسورتان في عيون المتابعين لها فلعلنا نلتقي بعيوننا، أما أنا فبكل ما كان فيا من غباء سأبقى أبا جهل وأتخذ البلاهة عنوان لسكوني وترددي الذي أعيشه.
ولكن ماذا يجري، بقي لقاؤنا حلم، إن البلاهة التي قصدت العيش بها أضاعتها اليوم كما ذاك الزمن البعيد، فهذه الجموع قد نهضت للرقص فأضاعتها من أمام عيناي، فقدتها للمرة الثانية بعد الألف، بعد المليون، وكم مرة ضاعت بسبب تكاسل أعضائي وحواسي وبلاهة تصرفاتي، قد كان علي أن أتسلل من بين الجموع كالنسيم الصيفي لأسحبها كما يسحب النسيم الآهات من الأفواه كل حين وحين.
ومن جديد ضاعت بنات أفكاري، ضاعت ذكرياتي، شيء ما يعيدني للماضي، أنا أفتعل حركة غير مخير فيها، بل مسير بافتعالها، أنا أسير في حاضري لحركة ما تشبه الماضي، الحاضر والماضي تعانقا من جديد والدنيا ابتسمت ضاحكة لا ساخرة، فيدي تسبقني في المسير.
أشعر أن يد من خلال الظلام تسحبني خلفها، ولعل أبا جهل الذي سكن في شخصي سيفارقني لمتسع من الوقت ولعلي لا أقف إلا والحبيبة والشاطئ والبحر، نتهامس عن الشمس والقمر والبحر ونتخذ ركنا في الظلام، ليس لننعت بعضنا كما كنا صغارا بل لنعبث بما كنا نعبث به بعد ما لم نبقى صغارا.
وحمدا لله فهذا ما كان وهذا ما صار!.
أيتها الحبيبة التي فارقتك طوعا وكرها، أيتها القديسة التي صليت بحضرتها دهرا، أيتها الآلهة التي مرغت وجهي عندها مرارا، أيتها الحبيبة التي حكيت عنها حكايات تصطادني للشرك والكفر، اشتقت والسنين تشهد وشواطئ البحار، وكذلك الشمس وحبيبها، والقمر حارس الليل والأسرار، والبحر العظيم الذي يحضن الكون وقلبي الذي لم ينساك.
لا، لا أيتها الحبيبة أبعدي يداك عن فمي فلا أريد أن أصمت، كفى صمتا، أبعدي يداك عن فمي لأني اشتقت للبوح بما لم تسعفني الدنيا على البوح به في حياتي السابقة، كنت السباقة دائما لكل شيء، وكنت في تقوقعي أترقب المبادرة منك لأني لست إلا جبان يخاف كل شيء ويخشى أن ينعت بأبي جهل، بل إني أرى أني خشيت هذا النعت لألا يفتضح أمري بأني كنت أبا جهل.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
القصة القصيرة / أبا جهل / لـ صادق أسود
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشبكة الأدبية :: المنتديــات الأدبيــة :: منتدى القصة والرواية والمسرح-
انتقل الى: