الشبكة الأدبية
أخواني الادباء والكتاب وزوار الشبكة الادبية ’’’ ننتظر تسجيلكم ومشاركتنا بأقلامكم

الشبكة الأدبية


 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
تابعوا صفحتنا ع الفيس بوك

شاطر | 
 

 قصة المتمردة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صادق أسود
كاتب
كاتب


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 49
العمل/الترفيه : كاتب ومخرج مسرحي

مُساهمةموضوع: قصة المتمردة   الثلاثاء أبريل 17, 2012 4:37 am

قال لها أحبك
وأخبرها عن الأحباب والأحبة
فسلمته الروح وهبته القلب
خبأت عنه الجسد
هكذا تعلمت الحب
قال لها أحبك
رسمها أغنية ووردة
فخفق قلبها ولم يتهادى
أقسم بحياته
سيصليها كما صلى للرب متعبدا
فركعت له تصلي
ولم يصلي لها ولا تقرب
هكذا تعلمت الحب
قال لها أحبكِ
ودعاها لدار الأحلام
مملكتها بعد أيام
فلبته بالحبِ والهيام
وعانقته بكل احترام
قد أحسنت الاختيار
ولهذا العفيف ستزف بعد أيام
فضاع الكلام
وضاعت
فأضاعت
ما كان أثمن من الحب والغرام
مراهقة صغيرة لتوها
تعلمت الحب
وفي ليلة علمت أمراً
ركضت إليه فجراً
أشارت لبطنها قالت ابنك
وأنا منك حبلى
فلم يقل أحبكِ
قال لها: هل أنت ثملة سكرانة وعجبا
إنه ليس ابني بل ابنكِ
أكاد لا أذكركِ
هل أنا أعرفكِ
لم يقل لها أحبكِ
أغلق الباب دونها باستهتار
فغادرته تبكي العار
عار فتاة شرقية خطاءة
عار فتاة من خطيئة حبلى
عار مراهقة تعلمت من الكبار كل شيء
إلا الحب












شبت ليلى وهي تحب مجالس النساء وطرق حديثهم وكيفية حركاتهم المثيرة من جلوس واستلقاء وسير ونوم وكذلك اللباس، كانت ببغاء ناطق للسان امرأة ذات كيد عظيم وكانت حركاتها تشابه من فاق عمرها بأضعاف مضاعفة.
أحياناً كانت تصرفات المرأة الطفلة مدعاة لضحكات الآخرين أو لسخرية الكبار، وانقسم من حولها ما بين مؤنب ومحب لتلك الحركات التي تسمى حيناً بخفة الروح وحيناً بالوقاحة، وباتت ليلى تميل ميلاً جذرياً لتلك التصرفات متمردة على أراء من حولها ومستهزئة بأفكارهم فتابعت مشوارها الذي أحبته دون رهبة من أي فرد من تلك العائلة المنقسمة.
ولعل انقسام العائلة خير مهد لانحراف الأبناء!.
وكان أن عاشت الصغيرة ليلى كمساعد أساسي في قصة حب بكل تفاصيلها كانت بطلتها إحدى قريباتها، فتطوعت بعد عدة مساعدات طلبت منها أن تكون حلقة الوصل بين الحبيبين و كانت مرساهم الأمين، وكان لها رغم صغر سنها الفضل في اتصال هذان الحبيبان فالزواج.
وكان لتلك القصة وسواها مما اطلعت عليه من مجالس النسوة التي لا تبرحها الأثر البالغ في وجدان تلك الصبية الصغيرة، وكانت تسعد لسماع الحكايات التي تناقلتها النسوة، إضافة لأحاديثهن عن أمور حياتهن الزوجية وتعليقاتهن الساخرة والغير أدبية حيناً عن حياة تلك وعلاقتها بزوجها، وعن انصراف تلك عن أمور زوجها، وانشغال ذاك الزوج بأنثى غير زوجته، وعن تعلق زوج إحداهن بأنثى ما رغم ما تكابده الزوجة للإتيان على سائر متطلباته وأولاده وداره على أكمل وجه.
كل هذه الأمور كانت تشغل ليلى فتصرف لها الوقت الكثير، بل لم تتوانى يوماً عن صرف المزيد من الوقت وهدره ولو كان ذلك على حساب دراستها، فكانت سيدة ناضجة داخل فتاة عذراء لم تتخطى فترة المراهقة وليست تحمل في زوادة الحياة من تجارب إلا ما سمعت من النسوة دون أن تعي مقصد كل منهن مما قالت حينئذ.
وباتت ليلى كتلة غريبة الأطوار في كل شيء فإن ما خرجت صباحاً من المنزل بدت بأناقة بالغة وكأنها تتجه إلى حفل وليست تقصد مدرستها، واتخذت من طريق المدرسة المسار الأطول كي تمر بمحاذاة ثانوية البنين المتبارين في انتقاء الألفاظ الآسرة للقلوب والمتنافسين في نيل شرف حديثها فالإيقاع بها، فما كانت تصل مدرستها إلا وقد زادت من غليان مشاعر الفتية وأشعلت لظى نارهم، وما كانت تعود للدار عند الظهيرة إلا وهي بحال تماثلت فتشبع بذلك غرورها الغير منضبط.
وبذلك فقد أصبحت ليلى حكاية مدرسة البنين بكل طلابها، و راح كلاً من شبان تلك المدرسة يفصل خططه للإيقاع بها أمام رفقته ليعود بعد يوم أو أكثر وهو يجر ذيول الخيبة إذ لم تنجح مقاصده كسواه ممن تمنى وحاول وفشل، وراحت ترتفع أعداد المتنافسون على الإيقاع بـ ليلى بعد كل فشل يمنى به أحدهم.
أما ليلى فلم تكن سعادتها بذات وصف كلما فشلت خطة من الخطط التي حيكت ضدها، ولم تكن ترتضي إلا أن تتوج تلك السعادة بأن ترى المنهزمين أمامها يزرعون طريق المدرسة متوعدين بكلمات محببة إلى قلبها الفتي.
ـ لا بد وأن تقع بشباكي يا حلو.
ـ ادلل على مهلك فأنا والحلو والزمن طويل.
ـ متى يحن قلب الجميل.
كلمات كهذه كانت تدعوها للمفاخرة بما أوتيت من روعة جسد وجمال إضافة للذكاء والفطنة، ولذا فقد كانت تتابع مسيرها متجاهلة سائر الناطقين وكأنها صماء عما جاهد الجميع لإسماعها من كلمات، فإن ما خلت مع نفسها ضحكت كثيراً على غباء هؤلاء الفتية الذين غرهم الطيش فظنوا أنفسهم مغررين بها، وكانت كثيراً ما تعلن الأقسام بأن توقع أي فتى قد تصادفه في شر أفكاره لأنها قررت أن تكون سيف القصاص من كل من يظن نفسه قادر على الإيقاع بأنثى والتغرير بها.
وذات يوم وقد كانت تلاعب أخيها الصغير على شرفة المنزل تراءى لها مراقباً لحركاتها اتخذ من نافذته مرصداً فراقبته لتستطلع مسببات الرصد هذا، غير أن ذاك الفتى لم يبادر لأي ما يفسر لها تطفل عينيه فتجاهلته لمرات ومرات ومن ثم حاولت تحريضه ليفضي ما بداخله حتى يئست منه فانصرفت عنه رأفة بحاله وخوفاً من صرف الوقت على شيء لن يحمل لها التباهي أمام صديقاتها.
وكانت ليلى في أحاديث كثيرة كهذه مع رفيقاتها تحاضر ولا تتحدث، فهي تعلن شعارات خاصة بها فتقول لهن:
ـ إن الأنثى تعطي للفتى ما هي تريد أن تعطيه و تأخذ منه ما هي تريد.
وكانت تعلن الغرابة عند سماعها بأمر فتاة وقعت ضحية فتى غرر بها تحت أي ظرف، ولم تكن ترى أن هناك ما يبرر للفتاة هذه الخطيئة لأنها من قدم التنازلات أولاً وأخيراً وسلم تسليم الضعيف الذي هُدرت كرامته، وعلى هذا فقد ظلت تلك الفتاة ليلى في سيرتها ذاتها دون أن يستوقفها رادع لأن الغرور تمالكها فانتهى بها لأمر ليس يرجى منه أي أمل على الإطلاق.
وذات يوم. . . . .
كانت ليلى تسير مختالة تترنح بمشية الإغراء المعهودة وهي توزع التحيات الصباحية والابتسامات على الفتية والفتيات المنطلقين إلى المدرسة كانت على موعد مع حدث لم يروق لها، لقد توقفت سيارة حديثة الصنع راقية النوع عند باب المدرسة دون تحفظ ممن داخلها فهبطت منها إحدى زميلات صفها الدراسي، فانحنت ليلى دون خجل تنظر بإمعان إلى وجه السائق وإلى سيارته الفخمة وفي عينيها المتراقصات آلاف الأسئلة عن تلك الفتاة الغير محببة إليها لما تمثل من أدوار ساذجة على حد رأي ليلى، لأن تلك الفتاة تلتزم الأدب والعفة ولأنها تعيب على ليلى سائر ما قد استهترت به في انخراطها واختلاطها مع الشبان رغم ما سلمت من أذى.
قالت ليلى لنفسها:
ـ وجدت فتى الأحلام الذي رسمت صورته في مخيلتي، لكن ذاك الفتى ليس ملك لي بل هو ملك لتلك الخبيثة المتخفية وراء مبادئ الشرف والنزاهة.
وراحت تلعن زميلتها آلاف اللعنات وهي تنظر لها نظرة حاسد منذ أن ترجلت من السيارة التي أقلتها مع ذاك الفتى الذي حلمت به طويلاً، وظلت ليلى تراقب رفيقتها حتى صارت داخل سور المدرسة فضاعت بين شبيهاتها في اللباس المدرسي مما سمح لروعة أن تعيد النظر إلى ذاك الشاب الذي التزم الوقوف حتى يطمئن لدخول مرافقته باب المدرسة، وما قامت به ليلى أن استدارت إلى ذاك الفتى وهي تطوق خصرها بيديها وتهز إحدى أرجلها وكأنها تصرف كل تلك الكراهية وما رافقها من حنق وغضب في تلك الهزات، غير أن ذاك السائق الذي تفاجئ بما يجري لم يكترث بها واكتفى بنظرة الاستغراب التي طالت به ومضى في سبيله ليتركها تتخبط في أفكارها وهواجسها.
وبعد دقائق كانت فيها ليلى شبه جامدة توصلت إلى حل لكل ما دار في خلدها، فلحقت بزميلاتها مسرعة تفتش عمن أتت مدرستها برفقة الفتى الوسيم أو فتى الأحلام المرتقب، ولم تتمكن طيلة الحصة الدراسية ليلى من السيطرة على أعصابها وليست تعرف كيف سيمر بها الزمن حتى نهاية الوقت المخصص للحصة التي هم فيها،كي تستعلم عن ذاك السر الذي يجمع زميلتها بمن عليه أن يكون ملك لها كي ترتاح أعصابها التي وصلت رائحة شياطها واحتراقها إلى ما بعد سور المدرسة.
وحين كان لليلى مرادها وغادرت الفتيات إلى باحة المدرسة سارعت ليلى بخطواتها نحو من سلبتها تفكيرها فمسكتها من زندها لتسحبها إليها من بين الفتيات دون استئذان أو أدب لتتحدث إليها:
ـ عزيزتي رجاء أريدك في حديث خاص.
ولم تكن رجاء ممن يستسيغ ليلى لا قلباً ولا قالباً لما عُرف عنها، ولم يكن بينهن أحاديث خاصة أو عامة، ولذلك فقد كانت كل كلمة أو حركة تأتي بها ليلى تنم عن غرابة غير محدودة لدى رجاء.
رجاء ـ ما الأمر؟.
ليلى ـ أيتها الخبيثة، يا من تختفين خلف الشعارات والمبادئ العظيمة، من يكون هذا الفتى الجميل الذي أوصلك بتلك السيارة الفخمة دون رهبة من أن يحط بك أمام باب المدرسة وعلى مرأى من التلميذات والمدرسات.
عابت رجاء على محدثتها ليلى تلك الكلمات وذاك الوصف الذي يسيء لها لكنها استنكرت بأدب خشية سلاطة لسان تلك المتسائلة الغير أخلاقية:
ـ رويدك يا روعة ولا تسيئين الظن بي، فأنا لا أطرح شعارات الأدب كما تنعتيني بل أنا مهذبة لأقصى درجات التهذيب، من أوصلني إلى المدرسة اليوم ابن عمي الذي هو خطيبي فهل من مانع لديك.
ليلى ـ لكنها المرة الأولى التي يوصلك فيها ابن عمك للمدرسة على ما أظن فمن أين لك بابن عم وسيم وثري وخطيب في ليلة وضحاها؟.
فتجيب رجاء محتدة:
ـ إني أكرر رجائي لك بأن لا تخلطين الأمور، إنه ابن عمي وكفى، وهو سيعود عند الانصراف كي يأخذني، نحن لا نخشى أحد لأننا لا نقدم على مالا نجرؤ على إظهاره للعلن كغيرنا.
لكن تلك الكلمات لم تكن كافية بالنسبة لليلى التي لن ترتضي بهذا القدر من الحديث الذي لا يسعف روحها التي كانت على شفا أن تكون شهيدة تلك اللحظة التي ترقبها زمناً ليس بالقصير لتلتقي فيها فتى الأحلام، وهي لن تدع فرصة ظهوره تلك أن توارى بلمحة بصر كما بدأت ولا يمكنها أن تقبل بفقدان ضالتها بعد أن اهتدت إليها، بل أنها ستحافظ على أن تدوم تلك الرؤية مهما كلفها ذلك من ثمن ومهما كان المقابل الذي ستدفعه!.
ـ إذاً هو زوج المستقبل؟!
وبدت ليلى وهي تسأل متخمة بالأحقاد و اللؤم فأجابت رجاء على مضض لتتخلص من سلاطة لسان تلك الفتاة الأفعى:
ـ رغم أن ذلك من خصوصياتي التي لا أريد لأحد أن يطلع عليها ولكن يمكنني القول نعـــم فهل من مانع لديك؟
وهنا تهم ليلى باستدراج زميلة الصف:
ـ مبارك لك،لماذا لم تخبرينا بهذا منذ زمن كي نفرح بك وكي لا نجرؤ على ظلمك، أنت تستحقين كل الخير أيتها العزيزة ولكن الظن ساورني بأنني أعرف ابن عمك هذا وأتمنى أن أكون بهذا مصيبة.
فتجيب رجاء ساخرة في قصد تحجيم تلك المتطفلة:
ـ قد خانتك ذاكرتك لأن ابن عمي يقيم خارج البلاد ولست أراك قد تعرفت عليه يوماً أو كان لك شرف التعرف عليه.
فصعقت ليلى لتلك الإجابة ولذاك التعالي الذي قصدت رجاء نهجه في حديثها واستنكرت عليها تلك الفوقية، ولم يروق لليلى أن تكون رجاء فتاة الأحلام لذاك الوسيم الغني الذي عثرت عليه بمواصفات فتى الأحلام الذي تريد وغادرت مكانها تقسم أن تحول بين رجاء وفتاها هذا بأي ثمن.
وأخيراً
وقبل انتهاء الدوام المدرسي كانت ليلى قد استقدمت أفكارها من عوالم الشياطين اللعينة وعجنتها بحنكة العفاريت ولؤم الفاسقات فاستخلصت منها خطة محكمة تدارستها مع معاوناتها من زميلاتها ليبدؤون التنفيذ في بدء لحظات الانصراف.
أتين على إخفاء حقيبة رجاء المدرسية ورحن يتلاعبن بأعصابها فيما بين معرفتهن بأمر الحقيبة ومكانها وبين جهلهن بالأمر حتى يتثنى لليلى التي كانت أول من غادر الثانوية حين ذلك بأن تستفيد من تأخر رجاء وأن تلتقي فتى الأحلام الوسيم في الخارج على أمل أن تتمكن منه.
وكان ما أرادت ليلى خارجاً إذ كان ناصر في انتظار ابنة عمه وزوجة المستقبل، فعمدت ليلى على تجاهله وعدم لفت انتباهه إلى أن توقفت بالقرب من سيارته تتظاهر بانتظار إحدى الصديقات ومن ثم أراحت جسدها على حافة السيارة فاستوت فوق غطاء المحرك على أمل أن يتحرش بها مالك السيارة حين جعلت من سيارته مقعداً لها، فلم يكن لها من مآربها ما أرادت ولذا فقد قررت أن تستغل ما تبقى من زمن وأن تكون للمرة الأولى في حياتها من يبادر في التحرش، فعمدت على اختلاق حركة تتظاهر بها بالتفتيش عن من تنتظر حتى التقت عيناها بعينا ناصر التي كانت تتابع تصرفاتها الغريبة، وحين ذلك ترجلت عن السيارة على عجل وراحت تتأسف له عما بدر منها تدعي أنها لم تتنبه لوجوده.
ليلى ـ عذراً منك فما كنت أعلم أن السيارة مأهولة.
فأجاب ملاطفاً:
ـ لا داعي للاعتذار وخذِ راحتك.
أطلق كلماته وأرسل عينيه تفتشان عن رجاء، فاستاءت لاستهتاره بها فأعادته لحديثها في مبادرة ثانية منها:
ليلى ـ أنت هنا لأجل رجاء أليس كذلك.
ناصر ـ نعم.
ليلى ـ إذاً فأنت صاحب الحظ السعيد لهذا اليوم، أوصلت رجاء صباحاً ونلت ذاك الشرف وتنتظرها الآن لتنال ذات الشرف، لابد وأنك من الشبان المحظوظين فلم أعهد في الماضي من نال هذا الكرم من رجاء لأنها لا تطيل صداقة أحدهم لأكثر من يوم.
تفاجئ ناصر بتلك الكلمات لكنه لم يبدي انفعالاً وسألها:
ـ وهل اعتادت رجاء أن ترافق أحد في ذهابها والإياب.
وهنا تتجرأ ليلى ولا تكتفي بمحادثة ناصر من قرب نافذة باب السيارة بل فتحت باب السيارة وجلست على الكرسي الذي بجانبه دون دعوة لتحادثه:
ـ ليس هذا شبه يومي، بل ما بين الفترة والأخرى إذ ليس كل الشبان مناسبون لذوق رجاء، ومادمت جاهل عنها كل هذه الأمور فلا بد وأنكم حديثو العهد بالتعارف، كيف تعرفت عليها في الطريق أم في الحديقة المجاورة التي اعتادت التسكع فيها بعد انتهاء الدوام المدرسي.
وتزداد غرابة ناصر مما يسمع ويتذكر ما كان من تصرف محدثته عند الصباح فيسعى لمزيد من الأسئلة قبل وصول ابنة عمه:
ناصر ـ وماذا تعرفين عنها أيضاً.
فتبدأ ليلى بالمراوغة إذ تبين لها أن صيدها قد بلع الطعم:
ـ أنا لست ممن يفشون أسرار صديقة وإن كنت تريد أن تعرف أكثر فتش عن الحقيقة تجدها قابعة في مكان ما تنده لك إني هنا فتعال وخذني.
ويلوح شبح رجاء من بعيد فتحاول ليلى الانسحاب
ـ هاهي صديقتك رجاء قادمة إلينا، أستأذنك وشكراً لهذه اللحظات الجميلة سيد ـ ــ ـــ
فيجيب معرفاً عن نفسه:
ـ ناصر
وتترجل ليلى من السيارة وهي تنظر لرجاء نظرات المنتصر، ولوحت بيدها لناصر مودعة زيادة في الإغاظة، ومن ثم مضت مع صديقاتها اللواتي قد وصلن بعدما أنهوا مهامهم داخل المدرسة على أكمل وجه وأخروا رجاء ما أمكنهم من تأخير.
أما رجاء التي رأت ليلى وهي تحط من سيارة ابن العم والخاطب فقد لاح لها على الفور خيوط المؤامرة التي أحيكت ضدها، وتيقنت بأن الفتيات كن مدفوعات لما قمن به من قبل ليلى التي أكثرت الأسئلة تستفسر عمن كان مع رجاء في الصباح، فهبطت بجانب ابن عمها في السيارة وهي في قمة غضبها جراء ما كان معها داخل سور المدرسة وفي الخارج وفي السيارة.
رجاء ـ ماذا كانت تفعل تلك السافلة هنا، وكيف سمحت لها بمحادثتك وبركوب السيارة إلى جانبك.
ناصر ـ وما الضير في ذلك أليست صديقتك، على الأقل فقد بددت لحظات الانتظار الطويلة التي انتظرتك فيها أم ترين أنك لم تتأخري.
وهنا كانت رجاء بحاجة للدفاع عن نفسها أولاً ومن ثم التعرف عن رغبة تلك المتطفلة الغير أخلاقية، فسردت لابن عمها ما كان معها منذ الصباح حتى لحظة وصولها إليه ورؤية ليلى تترجل من السيارة.
أما ليلى التي حاولت زرع الشك في قلب ناصر فقد كانت تسرد لصديقاتها المساعدات ما كان معها وما أسفرت عنه نتائج لعبتها التي تتوقع لها النجاح، وراحت تصف لهم حال ناصر وهو آتٍ إليها يستطلع الحقيقة فإذا هو أسير لحظها فتنال الفتى الذي حلمت به والذي يختلف عن سائر المغفلون الذين ملئوا الطريق ينتظرون منها إشارة عطف.
وكان النوم عدو لليلى في تلك الليلة وكان الشرود والتفكير عنوانان دائمان ليومها بطوله فظلت تحيى بأفكارها عالم ناصر، الرجل الخفي السحر القوي الشخصية البهي الطلعة الآمر دون كلام بما يستلزم الطاعة دون عصيان.
وفي صباح اليوم التالي نهضت متكاسلة إثر السهر الذي طال بها وحين استبانت هطول المطر بدت غاضبة جداً لأن هطول المطر سيحول دون المحافظة على هندامها على أكمل وجه وهي تستعد للجولة الثانية التي تتمناها حاسمة لإيقاع ناصر، فجاهدت حتى غادرت الدار على أكمل وجه وأفضل حلة وسارت ببطء حتى تتمكن من تلافي مخلفات الأمطار، وحين كانت عند سور المدرسة اتخذت من الباب مرصداً لمراقبة رجاء لتتأكد من أنها ستحط من سيارة ابن عمها الحبيب ثانية أو أنها ستأتي بمفردها بعد ما زرعت شيء من الشك في قلب الحبيب.
لكن المفاجأة أذهلتها ووصلت رجاء بصحبة ابن عمها ليحطما أحلامها التي ترجوها في نشوب خلاف بينهما، وما كانت تملك حين ذلك إلا بضع ابتسامات ساخرة في وجه رجاء التي اجتازتها وهي تدخل المدرسة بكل ثقة بالنفس، ومن ثم عادت بعينيها إلى ناصر ترمقه بنظرات الاستياء لأنه لم يصدقها فإذا به وبعد أن تحرك بسيارته لأمتار قليلة يتباطأ ويقف إلى جانب الطريق.
تساءلت عن قصد ناصر وهي على ثقة بأنه ما توقف إلا لأجلها وانتظرت منه إشارة ما فلم يبدي لها ما يدل على أنه يريد أن تلحق به ولذا فقد قررت المجازفة والمبادرة للمرة الثالثة واتجهت إليه، فإن ما دنت ليلى من ناصر تبسمت في وجهه وتابعت المسير حتى أول انعطاف الطريق وتوقفت لتجد ناصر يلحق بها فيقف بالقرب منها ويمد يده لباب السيارة يفتحه.
طلب منها ركوب السيارة فلم تلبي.
أعاد الطلب فأعادت التجاهل.
وأخيراً حاول من طرفه حزم الأمر.
ناصر ـ اصعدي وإلا سرت وتركتك تحت المطر.
فانحنت إلى قرب نافذة السيارة تحادثه:
ـ ماذا تريد مني.
ناصر ـ أعجبني فيك البارحة ذكائك المفرط، ولكنك اليوم تختلفين عن البارحة بكل شيء فاصعدي لنتم حديثنا.
ونفذت الأمر.
وتحركت السيارة مبتعدة عن منطقة المدرسة.
ناصر ـ صباح الخير يا حلوتي.
ليلى ـ صباح الخير.
وتابعت روعة حديثها:
ـ لا تبتعد أكثر كي لا أتأخر عن الدوام فالتأخير يعني محاضرة طويلة وقاسية الألفاظ من مديرة المدرسة وقد تتعداها لطلب مقابلة ولي الأمر.
فيجيبها محرضاً:
ناصر ـ ألم أقل لك بأنك تختلفين عن فتاة البارحة تلك الفتاة الذكية والجسورة، ولعلني لم أصيب حين رفضت طلب رجاء بقضاء اليوم معاً وفضلت أن أكون معك.
ليلى ـ إنها ابنة عمك و خطيبتك أما أنا فبأي صفة سأرافقك؟.
ناصر ـ لا صفة لك هذه اللحظة على الأقل، وربما تكونين بعد لحظات حبيبة وربما تكونين بعد أيام خطيبة وربما تكونين بعد أشهر قليلة زوجة.
كان ناصر قوي الشخصية وبدا أقوى منها، فكانت ما بين راغبة وممانعة وحين وجدت إصراره وافقت تعلن الإرغام.
وبسرعة كبيرة مرت الساعات على ليلى وهي في سعادة بالغة، ففي ذاك المطعم الذي كان أول محطاتهما حدثها عن شخصه بناء على طلب منها فأذهلتها كلماته ومغامراته وحديثه عن السفر والترحال والاختلاط بالأنواع الكثيرة من البشر والنسوة بشكل خاص في كل مكان يحط به، فإذا هي أسيرة كلماته وكل شيء فيه.
وبعد ذاك التوقف الطويل عند طاولة المطعم كانت السيارة تنقلهم من مكان لآخر رغم المطر، فإذا هي تشعر للمرة الأولى بأن لهطول المطر حكايات جديدة تختلف عن سوابقها إذ يمكنها مراقبة قطرات المطر والمارة دون أن تتبلل أو أن تبرد وبأنها جزء من العامة في الشارع وبمنعزل عنهم في ذات الوقت.
ليلى ـ هل تعلم بأني كنت تواقة لقضاء وقت أطول معك وبأن سعادتي كانت غامرة لم تحجبها إلا أسوار المدرسة التي أعدتني إليها الآن.
وكانا قد عادا إلى ذات النقطة التي انطلقا منها ليتثنى لها العودة للبيت في ذات توقيت الانصراف.
ناصر ـ سأنتظرك غداً فلا تتأخري.
فأجابت وكلها أماني ألا تخيب رجاؤه:
ـ أعدك بهذا إن مرَّ غياب اليوم بسلام، إن مديرة الثانوية تدقق في كل صغيرة وكبيرة وخاصة أمر التغيب.
ناصر ـ اعملي على هذا لأنني بحاجة لمعرفة المزيد عنك كي أتمكن من اختيار العروس التي سأزف إليها هل هي ليلى أم رجاء.
ليلى ـ بل ليلى.
لفظت باسمها ككلمة تحدي وهي تغادر سيارة الحبيب وتفرعت عن الطريق لتتخذ من إحدى أركانه مكاناً تنتظر صديقاتها فيه لتخبرهم بما كان معها ولتحول دون انصراف إحداهن لدارهم مطمئنة عليها.
وعادت ليلى إلى البيت مبتهجة وفرحة تحلم باليوم الذي ستزف به إلى ناصر على مرأى من عيون رجاء المتعالية عليها، فحملت لها ليلة السهر الثانية بتفكيرها عنوان الأحلام وهي تصور نفسها في قمة المجد وقد نالت فارس الأحلام بعد أن انتزعته قسراً ممن لا تستحقه.
وفي اليوم التالي جاهدت صباحاً لتتمكن من مغادرة الدار دون لباس الثانوية فلم تنجح، لكنها أصرت على أن ترضي ناصر الذي أكد على رغبته بهذا، وحين وقفت تنتظره عند منعطف الشارع كانت فرحتها أكثر مما حلمت لأن ناصر أتى إليها على فوره وحيداً دون أن تكون محطة انتظارها محطته الثانية بعد رجاء.
ناصر ـ أما اتفقنا على إبدال هذه الثياب؟.
كانت هذه كلماته الأولى بعد أن كانت بجانبه في السيارة فأرادت المراوغة لخلق جو دعابة لا أكثر:
ـ حاولت جاهدة ولكن والدي رفض خروجي من الدار إلا باللباس الرسمي فامتثلت لأمره كما امتثلت لأمر الحبيب.
وأذهلته أفعالها!!
خلعت السترة ورمت بها على كرسي السيارة الخلفي لتبدو في قميص رائع المنظر وأتت على بنطال بزتها فإذا هي في بنطال يشابه القميص في روعته، واستعانت بمرآة السيارة لتعيد الاعتناء بشعرها فأطلقت سراحه ليتهادى على الأكتاف.
ناصر ـ أيتها الأنثى النادرة بكل شيء ما هذا؟.
ليلى ـ قد حق علي العطاء مادمت ستُعطي.
وانطلقا خارج طوق المدينة فرحين مستبشرين كلاً في غاية يسعى لها، فتنقل بها في أماكن عديدة لم تكن تشعر بجمالها، ولكن هل هي جميلة حقاً أم أن وجودهما معاً جعل من كل شيء جميل فوق المعتاد.
وفي سياق ما هم به من أحلام وأماني راودتها فكرة إخباره عمن كان في ليلتها من أماني وكيف زفت إليه بعد مراقصته إلى أن سافرا معاً وحطوا في أماكن عدة وهما عريسان، فرأى أن هناك فرصة تسمح باقتناص ذاك الحديث ووعدها بمفاجئة تكون أول دليل على صدق رؤاها الليلية وإن كانت غير نائمة، وبناء على ذلك الوعد عاد للمدينة على فوره واستوقف السيارة في حي حديث العمران وعند مبنى جميل المدخل والمظهر ودعاها للترجل.
ناصر ـ سأصعد بك إلى داري لأريك إياه.
ففوجئت بذاك الطلب وهي التي تعرف من النسوة حكايات عديدة عن أمثال تلك الخطوة الغير شرعية التي لا بد وأن تسفر عن خطيئة نتيجة انفراده ، فقالت تستنكر ما في رأسه من أفكار:
ـ أراك قد أسأت الظن بي وقد ظننت أنك أنقى وأطهر من سائر الشبان الذين تعرفت عليهم، لكنك وجميع أبناء جنسك سواسية في هذه الأمور.
وأضافت بكلمات عديدة توضح له منها بأنها ليست لقمة سائغة من السهل عليه ابتلاعها مهما ظن نفسه حوتاً كبير فإذا هو ينقلب عليها.
ناصر ـ اصمتي ولا تتمين فلست بهذه الصفات الوضيعة ولست ممن أساء الظن بك، بل أنت من أساء الظن بي، أما أنا فلم أريد إلا اطلاعك على دارنا وعلى محتوياتها حتى إن حلمت بها كنت على علم بأركانها.
ليلى ـ مهما كان الآمر فأنا آسفة ولا يمكنني دخول دار بمفردي مع فتى.
ناصر ـ وأنا آسف لأنني ـ ــ ـ ــ ـ هيا بنا.
عاد ناصر للسيارة وسار صامتاً رغم ما كابدت ليلى لتذليل ما كان من خلاف أو لفك شفاهه لينطق ببنت كلمة، وكان كل ما نطق به بعد الإلحاح أن طلب منها العودة لثيابها المدرسية لأنه سيعود بها رغم ما تبقى من زمن، فنفذت ما طُلب منها على مضض والتزمت الصمت الذي فُرض عليها حتى وصل بها لذات النقطة التي انطلق منها
ناصر ـ حين تكونين معي عليك تلبية ندائي و تنفيذ مطالبي دون أدنى شك بي فالحب والريب ما تصادفا مطلقاً، ومن خلال هذا فكري في أيامك القادمة واتخذي القرار المناسب واعلمي أن ضيق الوقت ليس من صالح أياً منا، أما الآن فالوداع.
ليلى ـ إذاً لا لقاء؟.
ناصر ـ الأمر عائد لكي.
ليلى ـ قد كان عليك أن تفتخر بي وألا تغضب لأني بذلك أحافظ على نفسي وعلى علاقتنا ولست أرى سبباً لكل هذا الاستياء.
التزم الصمت واكتفى بأن مد يده إليها برقم هاتفه وغادر غاضباً تاركاً وراؤه طالبة لم يحين موعد عودتها من المدرسة للدار، ولذلك الفرق في التوقيت لم تجد روعة مكاناً تتسكع به غير المسير والتفكير، لكن حالها لم تكن تسمح لها بهذا فعادت للدار تتخذ أمام الأهل تغيب بعض المدرسات أحجية للعودة بشكل مبكر والتزمت غرفتها تدعي الدراسة.
وانتظرت ليلى عودة ناصر في أيامها التوالي معتذراً لها، وظنت أنه سيغفر لها أمرها حين سيقر بأن صيانة نفسها حق من حقوقها التي عليه التفاخر بها، لكن شيئاً من هذا لم يكن وظل ناصر يأتي المدرسة صباحاً مع ابنة عمه وظل يغادر معها عند الظهيرة كدليل على أن ما بينه وبين رجاء لم يتأثر بل صلبت أعواده، فشعرت ليلى بذلك أنها قد خسرت ورقة الزمن التي راهنت عليها واستدركت بأن ما تبقى من زمن قد لا يسعفها وبأن ناصر قد فاز بالحرب التي شنها.
ليلى ـ هكذا إذاً، هم يعيشون حلاوة الدنيا وأنا أتخبط بأفكاري حالمة بعودته.
بتلك الكلمات تلفظت وانزوت بعيداً تفكر
وقررت ليلى أن تعمل على استعادة ناصر.
وقررت أن تتنازل بعض الشيء لتستعيده من النعيم الذي وعدته به رجاء!.


اتصلت به هاتفياً في داره فلم تحظى به ولم تعطِ اسمها لمن أجاب على اتصالها وكررت المحاولات ولكن دون جدوى حتى تبين لها أن إعادة ناصر إليها من جديد أمسى من المحال طالما أنه لا يريد أن يجيب على هاتفها.
وفي صباح اليوم التالي كانت ليلى تشكو لصديقاتها أمرها وهي في طريق المدرسة وشكت خسارتها الأولى أمام فتى وطلبت منهن التزام رجاء وتقصي الحقائق والأخبار إيماناً منها بأن لقاءٍ وحيد يجمعها بناصر من جديد سيكون كفيلاً بالعودة به.
وفجأة وجدت أنها ليست تحتاجهن لأنها فوجئت بناصر قد استوقف سيارته في المكان الذي اعتاد نقلها منها والعودة بها إليه، فاعتذرت من صديقاتها اللواتي كانوا يحذرونها من خطورة هذا الاندفاع الذي يسيطر عليها وانطلقت إليه تُمني النفس بأن تكون المعاتب إذ عاد بعدما فقد الأمل، فإن ما دنت من السيارة همَّ في فتح باب السيارة لها وهو لا يزال خلف مقوده فحطت بجانبه.
خاطبها دون أن يُلقي تحية:
ـ هاتفاك البارحة سببا مجيئي اليوم فعسى خيراً.
أضاع عليها فرصة التعالي فعادت للتقوقع وانتهجت طريق التظلم:
ـ ماذا فعلتُ بك لتعاملني بهذه الطريقة، إنك تظلمني.
وراحت تسأل أسئلة سألها إياها شبان كثر تلاعبت بهم وبعواطفهم فكان ناصر يتلذذ بانتصاره وسيطرته عليها كما كانت تعطيها توسلات الشبان العجز أمامها دافعاً أكبر للغرور والغطرسة.
ناصر ـ هل فكرتِ بكلامي؟.
ليلى ـ لا ليس بعد.
ناصر ـ فما أسباب هاتفا البارحة إذاً؟.
صمتت هنيهة ثم أجابت:
ليلى ـ ناصر أنا أحبك فهل الحب جريمة يجب معاقبة صاحبها.
ناصر ـ وهل الحب يكفل لك إساءة الظن بي؟.
واعتذرت منه!!
طلب منها أن تلبيه فيما رفضت مسبقاً ليتأكد من أن الحبيبة على ثقة به وليست تعتذر إرضاء له وحسب.
وافقت!!!
ودون نقاش انحرف بسيارته يتجه نحو داره وهو يصفق لها على تلك الكلمات ويعلن لها عن غامر سعادته بها وهو يصغي لموافقتها التي تنم عن ثقة بالغة به تجعله يفتخر بها، فإن ما كان أمام الدار التي كانت سبب الشقاق ترجلت من السيارة بثقة مبطنة بالخوف الذي يلجم ما اتخذت من شعارات عن عجز الفتى أمام الفتاة إذا لم تكن تريد أن تسقط أمام فتاها.
وبدت لها الدار جميلة رائعة الأثاث بان عليها الحداثة بكل شيء فتنقلت معه في سائر أركانها وألقت نظرات فاحصة على كل شيء فيها
ناصر ـ هل أعجبتك الدار؟.
ليلى ـ رائعة.
ناصر ـ قد تكون دارنا في المستقبل القريب إن لم نتعرض لشيء مما تسببت به بالأمس القريب.
عاد لاستفزازها وقزم مشاعرها من جديد فراحت تشتكي لوعة الحب التي في داخلها والتي يقابلها بكل استهتار فأرسلت جُمل عتابها متلاحقات ومتراصة حتى بكت دون أن تدري دوافع بكاؤها لكنها كانت دموعاً صادقة ونابعة من قلب أحب لأول مرة في حياته، وخلال ذلك كانت الهفوة التي لم تحسب لها الحسبان فارتمت على صدره دون وعي منها تطلب السكينة والرحمة.
ولأن ناصر على علم تام بآلية تفكير ليلى فقد استغل حركتها بمهارة صياد ذكي وبارع وأبعدها عنه وهو يغدق عليها اللوم والتأنيب، ادعى الاستياء لأنه لم يأت بها إلى داره كي ينال منها شيئاً وحذرها من تلك الحركة فتنبهت إلى فعلتها واستكبرت فيه نهيه وتمنعه عن محاولة الإيقاع بها حين كان بمقدوره استغلال لحظات ضعفها.
ناصر ـ هل اقتنعت بأني لا أحبذ الإيقاع بكي؟.
ليلى ـ نعم.
ناصر ـ وهل يحق لي بعد هذا أن أطلب أمراً فأناله دون معارضة؟.
ليلى ـ اطلب فتنال.
ناصر ـ أريدك أن أُحضن حبيبتي بعاطفة حب وليس بغلطة تصرف وأقسم ألا أتمادى في سواها إلا بما أنت موافقة عليه من تصرفات، وهذا وعد من الحبيب.
والتزمت ليلى الصمت.
وخطى ناصر الخطوات الأولى فحضنها، فإذا هي تعانقه كما يعانقها فشد يداه حول جسدها حتى كاد أن يدمج عظامه بعظامها، وطال به الوقت فلم يلتزم بوعوده وحاول التمادي أكثر لكنها نهرته بقوة ليتوقف مكتفياً بما نال وما قد ناله ليس بالقليل لأنه وفى بالغرض.
وبفك حصاره لخصرها فور أن طلبت منه آمنت ليلى بصدق وعوده، وانصرفت عنه ذاك اليوم وهي في قمة السعادة لأنها استعادت فارس أحلامها الذي شارفت على ضياعه ولأنها أكدت مقولتها الشهيرة بأن الفتى لا يمكنه أن ينال من فتاته إلا القدر الذي تسمح هي به.
وفي اليوم التالي كان الموعد تلقائي الاتجاه والمكان فذهبا لدار ناصر دون دعوات منه وصد منها ودون خوف وحذر، ولعل ما كان يخيفها حقاً هو أن ترسل مديرة الثانوية من يتقصى من أهلها أسباب غيابها المتكرر، وكانت ليلى قلقة جراء هذا رغم الوعود التي نالتها من صديقاتها بأن يحولوا دون ذلك وبأن يدعون مجتمعين بأنهم مطلعين على أمر مرضها أو أن يكونون رسل المديرة إلى دارها إن ما اقتضى الأمر.
وفي تلك الدار التي جمعتهم لليوم الثاني على التوالي أقام ناصر احتفالاً للحبيبة تعبيراً عن حبه وتخليداً للذكرى الجامعة ولبدء الحب، وكان ناصر ذاك اليوم في طبيعته مرحاً ضاحكاً يحمل أضداد كاملة لما قد واجهها به في يومه الفائت فقابلته كذلك بخفة الروح والدعابة.
وطالب ناصر بقبلة فيما بين اللحظة والأخرى واختطف ما بين الطلب والطلب الكثير من القبل التي تذرع في جوازها بأن الفترة الفاصلة بين جلستهم تلك وبين خروجهم للنور أزواج لا تتعدى أشهر قليلة جداً بل هي أيام تُعد.
ورفضت ليلى ذاك التمادي.
وطالبت بإنهاء اللقاء إن استمر ناصر في مساعيه.
لكن ناصر كان يأتيها مرة ممازحاً ومرة مرغماً حتى راحت تتمنع بدلال وإذا القُبل الأخريات عن رضا ومحبة، وإذا بالقُبلة أمر طبيعي سلمت به ليلى على أمل أن تنتهي في ذات المد وألا تتوسع.
لكن الشفاه تلاقت فذاب أصحابها، وإذا الأرض تجمعهم.
عارضته!.
أعلن إيمانه المطلق بشعارها القائل أن الفتى لا يمكنه أن ينال من الفتاة إلا ما ذللت هي من صعوبات أمامه، ووعد بأن يكون مأموراً بأمرها يلجم ثورته وغرائزه بإشارة منها وألا يتذوق من عبق جسدها إلا ما هي ترضى أن يغوص به، بل وعدها بألا يأتي على العبث بما ليس من حقه العبث به وإن كانت هي في سكرة الحب، فانتهت أمامه معراة من سائر ما كان يسترها من ثياب وفضيلة وعفاف.
وتنبهت ليلى أنها تهرع للخطيئة الكبرى وصحت من سكرة الحب عارية حتى من قناعتها الشخصية لأنها تعطي ما لا تريد إعطاؤه فراحت تبعده عنها بذات القسوة والقوة التي تهالك كذلك بإتباعها لإبقائها أسيرة جسده، وإذا هي تشعل نار غرائزه وتأججها بذاك التمنع فاستغاثت واسترحمت واستنزفت كل طاقاتها لتخر أمامه متهالكة بينما تابع ما بدأ لينهي مشواره الذي بدأه بذات الوتيرة والإصرار على أن يحقق مآربه.
وبصياحها وانتفاضة جسدها الذي فقد أسمى ما فيه لم تتوقف رحى الطاحونة التي سحقت جسدها بعظامه ولحمه وسحقت كبرياؤها وغرورها معاً، وكانت تنظر له وهي غير مستسلمة استسلاماً مطلقاً تجاهد في إبعاده، فتراءى لها كذئب وقع على فريسة غضة الجسد بعد أن شارف على الموت في لحظات صراع على البقاء.
كان جسده يعصف بجسدها بقسوة توصلها لعوالم الموت وتعود بها لعالم الخطيئة التي امتطت صهوتها في لحظتها تلك فتأخذها إلى عوالم الألم وتعود بها إلى عالم الاسترحام وكانت يداه التي تمنتها يوماً طوق النجاة تطوقها بطوق الإذعان للأمر الراهن، وإذا عينيه التي تمنت أن يكبلها فتاها بها أبد الدهر حتى تكون أسيرة حبه تتجاهلها حين كان يطوقها بيديه ليحرقها بنار العار والخطيئة وهو يستبيح جسدها تلك الإباحة التي أتى عليها.
أما ناصر فكل ما كان يشغله هو اغتنام سائر ما يتمكن من لمسه أو لثمه فإن ما خرت قواه مُنتهياً من صيده الثمين حتى أعاد تثبيت جسدها على السرير.
ناصر ـ هنيئاً لك إذ أثبتِ هذه اللحظة بأن ما أطلقت من شعار كان صدقاً جداً وصائب لأبعد الحدود.
ولم يكن ذو نفع مطلقاً أي عنوان لما قد كان بعد أن نطق ناصر بكلماته ونهض عنها إذ كانت أصوات البكاء والشجار والتهديد والتوسل وطلب الرحمة فعدم التخلي عنها تعلو وتسيطر على ما بقي أمامهم من وقت لأنها قيد التداول وكلها عناوين براقة لتلك اللحظات التي أعقبت ذاك اللقاء الجسدي وذاك الاغتصاب المدروس.
ناصر ـ لا تسيئين اللفظ كي لا أغضب منك من جديد، نحن منذ هذه اللحظة زوجان وحبيبان وليس إلا.
ليلى ـ وماذا لو افتضح أمرنا؟.
ناصر ـ لماذا كل هذا التشاؤم، هي مسيرة أيام ليست بعيدة وتكونين هنا علانية وتكونين سيدة هذا الدار.
وأعاد حصاره لعقلها وأفهمها أن مرور شهر فآخر كفيل بأن يثبت لها حسن نواياه فأبعدها عن تلقيبه أو نعته بالخائن أو المغتصب وما شابه من مسميات كانت تسترسل في لفظها ولبت نداؤه للصمت بالسمع والطاعة لحاجتها الماسة له ولحبها لشخصه في الدرجة الثانية من سلم الامتثال.
وطُليت الحيل على تلك الفتاة التي قررت أن تحيَّ حياة الكبار فخطت خطواتهم ذاتها وانتهت بالخطايا الكبيرة مثلهم.
وتحولت تلك الدار لقضاء كامل أوقات دوام ليلى المدرسي الذي كان في أيامه الأخيرة، والتزمت الحبيب وداره لأنها لا تريد إغضابه كي لا يتخلى عنها، ولم تطأ أرجلها قاعة الامتحان فيما بعد ذاك الغياب لأنها شعرت بعدم الحاجة لها بعد ما ألم بها وبأن مصيرها سيبقى مرتبط بمن لم يعد يريد رؤيتها إلا داخل أسوار داره.
وحين انتهت فترة الدراسة والامتحانات وجدت ليلى نفسها بعيدة عن ناصر لعدم إمكانية خروجها من الدار إلا بشق الأنفس ورغم ذلك فلم تدخر جهداً للقائه ما بين الحين والآخر إرضاء له.
وفجأة تغيرت الموازين.
وتنبهت لأمر خطير.
علمت أن في أحشاؤها جنين!.
وأدركت أن ناصر بهذا الأمر كفيل!.
وتصنعت ليلى عذراً أمام أهلها وغادرت إلى دار الحبيب دون موعد علها تجده في مملكتها القادمة حين زواجهما لكنها لم تلتقي به ولم تغلق أبواب الرجاء في آمالها وسعت لرقم الهاتف الذي بحوزتها تستخدمه.
ليلى ـ مرحباً سيدتي.
ـ أهلاً بك من المتكلم؟.
ليلى ـ أريد محادثة ناصر لو سمحت.
ـ رغم أنك تخفين اسمك ولكن سأجيب، ناصر ليس هنا فقد سافر مع عروسه رجاء منذ أيام قلائل فهل تريدين إبلاغه إي رسالة إلى حين عودته ـ ــ ـ ــ ألو ـ ــ ـ ألو ـ ــ ـ ــ من المتكلم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة المتمردة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشبكة الأدبية :: المنتديــات الأدبيــة :: منتدى القصة والرواية والمسرح-
انتقل الى: