الشبكة الأدبية
أخواني الادباء والكتاب وزوار الشبكة الادبية ’’’ ننتظر تسجيلكم ومشاركتنا بأقلامكم

الشبكة الأدبية


 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
تابعوا صفحتنا ع الفيس بوك

شاطر | 
 

 من روائع القصص العالمي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد قدورة
مدير المكتب الإعلامي
مدير المكتب الإعلامي
avatar

ذكر عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 28
الموقع : في الدفاتر بين الكتب
العمل/الترفيه : كاتب + رسام + مساعد مهندس

مُساهمةموضوع: من روائع القصص العالمي    الجمعة أبريل 13, 2012 8:07 am

هذا
باب لروائع القصص العالمي فيه خلاصة للتجارب الإبداعية في هذا الفن ، وفيه
رفعة ذوق و دقة فكر ، و إمتاع دون شطط أو إسفاف ، وفيه نماذج جميلة لمن
شاء أن ينسج على منوالها من الأدباء الناشئين





المنتقم

أنطون تشيخوف




هرع
فيودر فيودرفيتش سيغايف إلى متجر أسلحة شموكس وشركاه، بعد أن ضبط زوجته
بالجرم المشهود؛ وشرع بانتقاء المسدس المطلوب؛ وقد عبرّت سحنته عن حزن
وغضب، وعن قرار حازم لا رجعة فيه.

«أعرف ماذا سأفعل»
ـ فكر في نفسه ـ لقد تحطمت الأسس العائلية وانغمس الشرف بالوحل، وانتصرت
الرذيلة. ولهذا كله، وأنا كمواطن وإنسان شريف، يجب عليّ أن أنتقم: «أقتلها
وعشيقها أولاً، وبعدئذ أقتل نفسي..».

هكذا كان يفكر،
ولم يكن قد اختار مسدساً بعد ولم يكن قد قتل أحداً بعد، إلا أن مخيلته،
رسمت له ثلاث جثث مدماة، وثلاث جماجم محطمة، والنخاع قد نبق منها، وهرجاً
ومرجاً وحشداً من المتسكعين وتشريح الجثث. وتخيل بشماتة الإنسان المهان،
استهوال الأقارب والجمهور، واحتضار الخائنة، وتخيل أيضاً افتتاحيات الصحف
وهي تشرح أسباب انهيار الأسس الأسرية.

كان البائع ذا هيئة فرنسية، وكرش، مندلق، كثير الحركة، يرتدي صدارة بيضاء اللون ـ قد وضع أمام الزبون أنواعاً مختلفة من المسدسات.
ابتسم البائع بإجلال ودق أحد كعبيه بالآخر، وقال:
ـ بودي أن أنصحك
مسيو، أن تأخذ هذا المسدس الرائع ـ ماركة سميت وبسون ـ آخر ما نطق به علم
الأسلحة، ذو ثلاث حركات ومزود بقاذف فوارغ. يقتل على بعد ستمائة خطوة،
ويشحن من الخلف وألفت انتباهك مسيو، إلى نظافة البضاعة، إنها آخر موديل يا
سيد.. إننا نبيع عشرة منها يومياً، من أجل قطاع الطرق، والذئاب، والعشاق
أيضاً، إنه مسدس مضمون، ومجرب. يقتل على مسافة بعيدة. يقتل الزوجة وعشيقها
بطلقة خارقة واحدة، أما فيما يتعلق بحوادث الانتحار، فحدث ولا حرج عن هذه
الماركة.

رفع البائع الزناد
وخفضه، ومن ثم زفر على ماسورة المسدس، وشرع يسدد، وتصنع أنه يتنهد من
الغبطة. فنظرة واحدة إلى وجه البائع الذي شع حبوراً، تحمل المرء، على
الاعتقاد، أنه يود أن يطلق في جبينه، من شدة هيامه بماركة «سميت وبسون»
وأخيراً نطق سيغايف:

ـ كم سعره؟
ـ خمسة وأربعون روبلاً، مسيو..
ـ هَمْ! إنه غال.
ـ في هذه الحال،
مسيو، أقترح ماركة أخرى، بسعر أرخص. إنه لمن المفيد، أن ترى.. فمجال
الاختيار عندنا واسع، مسيو.. وبمختلف الأٍسعار. خذ هذا المسدس، مثلاً،
ماركة «ليفوشيه» ثمنه ثمانية عشر روبلاً فقط.. لكن.. «وصعرَ البائع خده
بسخرية» ولكن، هذه الماركة أصبحت قديمة مسيو، ولا يشتريها إلا
البروليتاريون العقلاء، والمريضات نفسياً. أن ينتحر المرء، أو يقتل زوجته
بمسدس ليفوشيه، يعتبر ضعة، وحماقة. أما الماركة المعتبرة، فهي ماركة سميث
وبسون.

ليس لي حاجة به للانتحار، أو القتل ـ قالها بلهجة، كاذبة، وبوجه عبوس، إني أبتاعه، من أجل الفيلا الصيفية. كي أخيف اللصوص.
ـ لا شأن لنا
البتة، لماذا تبتاعون المسدسات، وابتسم البائع، خافضاً بصره بتواضع. فلو
أننا نتحرى عن أسباب الشراء في كل مرة لاضطررنا أن نغلق مخزننا مسيو.. ولكن
من أجل تهديد اللصوص، فإن مسدس ليفوشيه، لا يصلح لهذا الغرض مسيو، لأن
صوته غير قوي، ويمكن القول إنه مبحوح. ولهذا الغرض، أقترح مسيو، مسدساً
عادياً، من نوع كبسولي، ماركة مورتيمر ـ وهو للمبارزة، كما يسمونه.

«أأدعوه إلى المبارزة؟ ومضت هذه الفكرة في رأس سيغايف ـ بيد أن هذا شرف كبير له. حيوانات كهؤلاء يجب أن تقتل كالكلاب..».
وضع البائع كومة
كاملة من المسدسات أمام سيغايف، وكان يتحرك برشاقة وظرافة، ولا ينقطع عن
الابتسام والثرثرة. وسيغايف وقف مشدوهاً يتأمل ماركة ـ سميت وبسون التي بدت
هي الأكثر جاذبية وهيبة ـ وما لبث أن أخذ مسدساً منها بكلتا يديه. ونظر
إليه ببلاهة، وغرق في أفكاره:

رسمت له مخيلته من
جديد، كيف سيحطم رأس الخائنة، وكيف سيسيل الدم على السجادة، والأرضية
الخشبية، وكيف سترتجف وهي محتضرة.. إلا أن ذلك كله، بالنسبة إلى روحه
الممتعضة المهانة، كان قليلاً جداً. ولم ترضه كل اللوحات الدموية، وكل
الصراخ والفظاعة، التي تخيلها.. كان من الضروري أن يفكر بشيء أكثر فظاعة.

.. وفكرّ:
«ها ها ، أقتله،
ثم أقتل نفسي. أما هي فأتركها حية، تموت ببطء من تبكيت الضمير، واحتقار
المجتمع لها. وبالنسبة إلى طبيعتها العصبية،فإن هذه العقوبة، أقسى من
الموت».

وتخيل من جديد
مراسم دفنه: يضجع هو في التابوت مذلاً مهاناً. ويفتر ثغره عن ابتسامة
وادعة. وهي تمشي خلف النعش شاحبة مرهقة من عذاب الضمير، ولا تعرف كيف تستر
نفسها من نظرات الاحتقار المدمِّر. الموجهة من الجمهور الساخط.

وقطع البائع
تخيلاته، قائلاً: أرى، مسيو، أن ماركة ـ سميت وبسون ـ تعجبك. وإذا كنت
تعتقد أنه غال، فاسمح لي، مسيو أن أتنازل عن خمسة روبلات.. وبالمناسبة،
يوجد لدينا ماركات أخرى، بأسعار أرخص.. وتحركت القامة الفرنسية برشاقة،
وتناولت من على الرف مجموعة أخرى من المسدسات بأغلفتها.

ـ خذ مسيو، هذا
بثلاثين روبلاً / إنه ليس غالياً، خاصة، وأن قيمة العملة، أصبحت منخفضة
جداً، والرسوم الجمركية، ترتفع في كل ساعة. مسيو أقسم بالرب، مسيو، أنا شخص
محافظ ولكن صدقني مسيو، إن قيمة العملة والتعرفة، قد جعلتا الأغنياء فقط
يمتلكون السلاح. ولم يبق للفقراء، إلا أن يقتنوا الأسلحة القديمة المنسقة،
والثقاب الفوسفوري. والأسلحة هذه مصيبة، فإذا أطلقت منها على زوجتك، فإن
الطلقة ترتد إلى كتفك.

وفجأة، أصيب
سيغايف بألم وأسف، عندما تصور نفسه ميتاً، ولم ير عذاب الخائنة، فإن الأخذ
بالثأر، يغدو لذيذاً، فقط عندما تقطف ثماره بيديك، وماذا سيجني، إذا ما
استلقى ميتاً في التابوت، ولن يرى شيئاً من عذابها؟!

«ألا أفعل ما يلي؟ فكر من جديد: أقتله، وأمشي في جنازته، وأراقب ماذا سيجري. وبعد دفنه، أقتل نفسي..».
ولكن يمكن أن
يعتقلوني، ويجردوني من السلاح قبل الدفن..لا..لا سأفعل هكذا: أقتله أما هي
فأتركها حية. وأنا، أنا لن أقتل نفسي، بل أسلم نفسي للسلطات المختصة،
فدائماً أجد الوقت كي أقتل نفسي، والفائدة من تسليمي نفسي تتلخص، بأنني في
أثناء التحقيق الأولي، ستتاح لي الفرصة لأعرض أمام السلطة والمجتمع، كل
تصرفاتها الوضيعة. أما إذا قتلت نفسي، فببراعتها المعهودة، وكذبها وفجورها،
ستجعل مني مذنباً، وسيصدقها المجتمع وحتى سيسخر مني. أما إذا بقيت حياً
فإن..!

بعد دقيقة واحدة، فكر...
«..أجل، إذا قتلت
نفسي، فإنهم سيتهمونني، ويصمونني بضحالة المشاعر ويحتقرونني.. وبالفعل،
لماذا سأقتل نفسي؟ هذا أولاً، وثانياً: أنْ انتحر، معنى ذلك، إني جبان. إذن
أقتله، وأتركها تعيش. وأنا أذهب إلى المحكمة. سيحاكمونني، وستحضر هي
كشاهدة، وأتخيل ارتباكها، والعار الذي يلحقها عندما يستجوبها وكيلي
المحامي، وحتماً، ستكون عواطف القضاة، والجمهور والصحفيين إلى جانبي..»

كان يفكر على هذا النحو، فيما كان البائع يأتيه ويسطر أمامه أنواعاً جديدة من المسدسات، معتبراً أن من واجبه أن يشغل هذا الزبون.
ـ هذه ماركة
انكليزية جديدة، استلمناها منذ فترة قريبة، لكني أنصحك مسيو، أن كل هذه
الماركات تصغر أمام ماركة سميت وبسون. منذ أيام خلت، لاشك، أنك قرأت ذلك
الخبر مسيو، ابتاع أحد الضباط مسدساً من عندنا، ماركة سميت وبسون، وأطلق
على عشيق زوجته، وماذا تتوقع النتيجة؟ لقد انطلقت الرصاصة، فاخترقته وأصابت
غطاء المصباح البرونزي، ومن ثم أصابت البيانو فانزلقت وارتدت عنه، وقتلت
الكلب، وأصيبت الزوجة برض عصبي. إنها نتيجة رائعة تشرّف شركتنا. والضابط
الآن موقوف في النظارة.. سيجرّمونه طبعاً إنه متهم. وسيرسلونه إلى سجن
الأشغال الشاقة. أولاً، ما زالت القوانين عندنا، بالية وعتيقة. وثانياً
مسيو، إن المحكمة عندنا، دائماً إلى جانب العشيق. لماذا؟ ببساطة مسيو، إن
القاضي، والمدعي العام، والمحامي والمحلفين، يعاشرون عشيقات؛ أي غير
زوجاتهم. وبالنسبة إليهم، من الأفضل، لو أن روسيا أصبح فيها عدد الأزواج
أقل. وسيشعر المجتمع بالغبطة، إذا نفت الحكومة جميع الأزواج إلى جزيرة
ساخالين، أوه، مسيو، إنك لا تدري، ما أشد غيظي، وحنقي من انحطاط الأخلاق
المعاصرة وانحلالها. لقد أصبح عشق زوجات الآخرين الآن عادة، كتدخين سجائر
الآخرين وقراءة الكتب المستعارة من الآخرين.. إن تجارتنا تخسر عاماً بعد
عام، وهذا لا يعني أن عدد العشاق يتناقص؛ بل يعني أن الأزواج يقتنعون
بواقعهم. إنهم يخافون المحكمة والأشعال الشاقة. وتلفت البائع حواليه، ثم
تابع هامساً: ومن هو الملام مسيو؟ الحكومة!

«أأذهب إلى
ساخالين، بسب هذا الخنزير، ليس عقلاً فكر سيغايف ـ فإذا ما ذهبت إلى
الأشغال الشاقة، فإني أتيح بذلك الفرصة، كي تتزوج الخائنة ثانية، وتخدع
زوجها الثاني.. وهذا بالنسبة إليها نصر حقيقي. إذن. سأتركها حية، ولا أقتل
نفسي.. وهو .. وهو لا أقتله. يجب التفكير بشيء أكثر عقلانية وأقوى تأثيراً.

سأعاقبها بالاحتقار، وأرفع دعوى طلاق فاضحة..».
ـ وهذه مسيو ماركة
جديدة، قالها البائع، وهو يتناول كدسة مسدسات جديدة من على الرف، ألفت
انتباهك مسيو إلى آلية الإغلاق المبتكرة، إلا أن سيغايف، بعد اتخاذه القرار
الأخير، لم يعد المسدس ضرورياً له. غير أن البائع ما زال بخفته المعهودة،
يعرض أنواعاً جديدة من بضاعته. بيد أن الزوج المهان، شعر بوخز الضمير،
لكثرة ما عذب البائع عبثاً، وجعله يبدي انبهاره ويبتسم، ويهدر الوقت
عبثاً..

تمتم قائلاً:
ـ حسناً، في هذه الحال سآتي في وقت آخر، أو.. أو أرسل أحداً ما..
لم ينظر إلى
البائع كي لا يرى تعابير وجهه، ولكن كي يخفف قليلاً من شعوره بالحرج، رأى
أنه من الواجب أن يشتري شيئاً ما من عنده، ولكن ماذا سيشتري؟ أجال بصره في
أنحاء الحانوت، كي ينتقي شيئاً، بسعر رخيص، فوقعت عيناه على شبكة خضراء
اللون، معلقة قرب الباب.

ـ هذا.. ما هذا؟.. سأل هو.
ـ هذه شبكة من أجل صيد الحجل.
ـ كم سعرها؟
ـ ثمانية روبلات، مسيو.
ـ صرّها لي.
دفع الزوج المهان ثمانية روبلات وتناول الشبكة، وخرج من الحانوت شاعراً بنفسه الخزي والذل، أكثر من ذي قبل.






أنا فلاح وبفتحر واللي ما عاجبو يموت كهر

لن تصبح مآسينا
صورا يعتاد عليها البعض
ولن أستقيل من حب الوطن


عدل سابقا من قبل أحمد قدورة في الجمعة أبريل 13, 2012 8:55 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.facebook.com/ahmadqaddura
أحمد قدورة
مدير المكتب الإعلامي
مدير المكتب الإعلامي
avatar

ذكر عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 28
الموقع : في الدفاتر بين الكتب
العمل/الترفيه : كاتب + رسام + مساعد مهندس

مُساهمةموضوع: رد: من روائع القصص العالمي    الجمعة أبريل 13, 2012 8:07 am

الساذجة

أنطون تشيكوف



طلبت من بعضة أيام من مربية أولادي ( جوليا فاسيليفنا)موافاتي بغرفة الكتب.

- تفضلي بالجلوس (جوليا فاسيليفنا) –
قلت لها – كيما نسوي مستحقاتك ،ويبدو انك تلبسين رداءالتعفف إذ أنك لم
تطلبيها رسميا مني رغم حاجتك الماسة للمال ...! حسناً... كنا إذا قد اتفقنا
على مبلغ ثلاثين روبلاً في الشهر....


- بل أربعين!

قالت باستحياء.

- كلا...اتفاقنا كان على ثلاثين. دونت ملاحظة بذلك أدفع إلى المربيات ثلاثين روبلاً عادة. لقد عملت هنا مدة شهرين لذا.....

- شهران وأيام خمسة .
قالت مصححة.

- بل عملت لمدة شهرين بالتمام والكمال
-قلت بإصرار- لقد دونت ملاحظة بذلك وهذا يعني انك تستحقين ستين روبلاً
يخصم منها أجر تسعة أيام تعرفين تماما أنك لم تعملي شيئاً ل(كوليا) أيام
الآحاد وكنت تكتفين بالخروج به للنزهة...هناك أيضاً ثلاث إجازات و...


ولم تعقب ....اكتفت المسكينة بالنظر إلى حاشية فستانها فيما كست محياها حمرة شديدة....مانبست ببنت شفة!

- ثلاث إجازات فلنخصم من ذلك إذا اثني عشر روبلاً...كما وأن (كوليا) قد مرض
فاستغرق ذلك ثلاثة أيام لم يتلق عبرها أي درس...شغلت إبان ذلك بـ(تانيا)
فقط، ، هناك أيضاً ثلاثةأيام شعرت فيها بآلام في أسنانك ممضة أعفتك زوجتي
خلالها من العمل بعد الظهر ... اثنا عشر وسبع يساوي تسعة عشر واطرحي ذلك
فيتبقى بعد ذلك ..آ..واحد وأربعون روبلاً.. أصبح ذلك؟


واحمرت العين اليسرى (لجوليا
فاسيليفنا) ثم ..غرقت بالدمع فيما تشنج ذقنها وارتعش.. وسعلت بشدة ثم مسحت
أنفها ..إلا أنها ..لم تنبس بحرف.


- قبيل ليلة رأس السنة كسرت كوب شاي
وصحنه، يخصم من ذلك روبلان رغم أن تكلفة الكوب هي في الواقع أكثر من ذلك إذ
إنه كان ضمن تركة قيمة...لايهم !ليست تلك هي أولى مامنيت به من خسائر...!
بعد ذلك ونتيجة لإهمالك صعد (كوليا ) شجره فتمزق معطفه ، يخصم من المجموع
عشرة روبلات..كما وأن الخادم قد سرقت- بسبب لامبالاتك حذاء (فانيا )ينبغي
أن تفتحي عينيك جيدا... أن تتوخي الحذر والحيطة!
فنحن ندفع لك ثمن ذلك...حسناً نطرح من كل ذلك خمسة روبلات وإني قد أعطيتك عشرة روبلات يوم العاشر من يناير!


- لم يحدث ذلك !
همست (جوليا فاسيليفنا).

-بلى! دونت ملاحظة بذلك.

قلت بإصرار.

-حسناً وإذا.

أجابت بنبرات كسيرة.

- فإذا ما خصمنا سبعةَُ وعشرين من واحد وأربعين فسيتبقى لك أربعة عشر روبلاً.

وغرقت بالدموع يومها كلتا عينيها فيما ظهر العرق على أنفها الصغير الجميل ....ياللبنية المسكينة!

- لم أحصل على مال سوى مرة واحدة!

- قالت بصوت راعش متهدج النبرات - وكان ذلك من زوجتك. ماتجاوز ما استلمته ثلاث روبلات... لا أكثر سيدي.

- حقاً ؟ أرأيت ؟ لم أدون ملاحظة بذلك – سأخصم من الأربعة عشر روبلاً ثلاثة فيتبقي لك أحد عشر روبلاً.

ودفعت إليها بالمبلغ فتناولته بأصابع مرتجفة ثم دسته في جيبها .

- شكراً.

قالت هامسة.

-ولماذا هذه ال( الشكراً) ؟

سألتها .

- للمبلغ الذي دفعته لي.

- لكنك تعرفين أني قد غششتك .... أني قد سرقتك ونهبت مالك فلماذا شكرتني؟!

- في أماكن أخرى لم يكونوا ليدفعوا لي شيئاً البتة.

-لم يمنحوك على الإطلاق شيئاً؟ زال
العجب إذاً! لقد دبرت هذا المقلب كي ألقنك درساً في المحافظة على حقوقك،
سأعطيك الآن مستحقاتك كاملة ...ثمانون روبلاً..لقد وضعتها في هذا الظرف
مسبقاً..لكن تساءلت مشدوهاً- أيعقل ذلك ؟ أن يتسم إنسان بكل ذلك الضعف
والاستسلام؟ لماذا لم تعترضي ؟ لم كل ذلك الصمت الرهيب... أيعقل أن يوجد
في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة إنسان بلا أنياب أو مخالب ؟
إنسان في سذاجتك وخضوعك ؟


وابتسمت في ذل وانكسار فقرأت في
ملامحها ((ذاك ممكن)) واعتذرت منها مجدداً عما سببته لها من ألم وإحراج، إذ
إن الدرس كان قاسياً حقا قبل أن أسلمها الظرف الذي يحوي أجرها... ثمانون
روبلاً تناولتها بين مكذبة ومصدقة ... وتلعثمت وهي تكرر الشكر.. المرة تلو
المرة ثم غادرت المكان وأنا أتأملها وسيل من جراحات الإنسان المعذب في
أرجاء غابة الظلم ينداح في أوردتي وهمست لنفسي:


-حقا ماأسهل سحق الضعفاء في هذا العالم!







أنا فلاح وبفتحر واللي ما عاجبو يموت كهر

لن تصبح مآسينا
صورا يعتاد عليها البعض
ولن أستقيل من حب الوطن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.facebook.com/ahmadqaddura
أحمد قدورة
مدير المكتب الإعلامي
مدير المكتب الإعلامي
avatar

ذكر عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 28
الموقع : في الدفاتر بين الكتب
العمل/الترفيه : كاتب + رسام + مساعد مهندس

مُساهمةموضوع: رد: من روائع القصص العالمي    الجمعة أبريل 13, 2012 8:08 am

موت موظف


أنطون تشيخوف


فى أمسية لطيفة ، كان ايفان ديمتريتش كريبكوف ، وهو موظف يقوم بعدة مهام لا
يقل لطفا عن تلك الأمسية اللطيفة، جالسا في الصف الثاني من المقاعد
الأمامية يشاهد ( أجراس نورماندى ) بواسطة منظار الأوبرا . كان يتفرج وقد
اعتراه شعور بأنه يعتلي قمة العالم . ولكن فجأة … غالبا ما يصادفك هذا … في
القصص القصيرة ، والكتاب على حق : الحياة مليئة بالمفاجآت ! ولكن فجأة ،
عندئذ ، يتقلص وجهه ، وتبحلق عيناه إلى أعلى ، وينقطع نفسه ـ ينزل منظار
الأوبرا وينحني إلى أمام ، و … أتشوو !!! يعطس ، بعبارة أخرى . ولكن العطاس
ليس ممنوعا على أي أحد وفى أي مكان . الفلاحون يعطسون ، ورؤساء الشرطة
يعطسون ، وأحيانا حتى الموظفون من الدرجة الثالثة يعطسون . كل إنسان يعطس .
لم يحس كريبيكوف بالإحراج أبدا ، وإنما بكل بساطة مسح أنفه بمنديله ،
ولكونه من النوع المؤدب من الناس ، نظر حواليه ليرى فيما إذا كان قد أزعج
أحدا بعطاسه . عندئذ وجد سببا للشعور بالإحراج . رأى أن السيد العجوز
الضئيل الجالس أمامه في الصف الأول ، كان يمسح بعناية قمة رأسه والجهة
الخلفية من رقبته بقفازه ، ويتمتم بشيء . وقد تعرف كريبيكوف في شخصية السيد
العجوز على الجنرال شبريتسالوف ، وهو موظف من الدرجة الثانية في وزارة
الاتصالات
لقد تطاير الرذاذ عليه
فكر كريبيكوف
- .. إنه ليس رئيسي ، هذا صحيح ، ولكن مع ذلك ، إنه عمل محرج . يجب أن أعتذر إليه
وهكذا وهو يتنحنح وينحني إلى أمام باحترام ويهمس في أذن الجنرال :
- عفوك ، سيدي ، لرشك بالرذاذ . لم يكن مقصودا أبدا
حسنا ، حسنا
- أرجوك ، أرجوك أن تصفح عني ..أنا … أنا لم أقصد ذلك
- أوه ، اجلس ، أرجوك ، لا أستطيع سماع الأوبرا
أربك ذلك كريبيكوف ، فكشر عن ابتسامة سخيفة وجلس وبدأ يرقب المسرح من جديد .
كان يتفرج ، إلا أنه لم يعد يشعر بأنه يعتلي قمة العالم. بدأ يشعر بوخزات
من القلق . وفى فترة الاستراحة ذهب إلى شبريتسالوف ومشى معه مشية جانبية ،
وتغلب على خجله وقال متلعثما :
- لقد رششتك بالرذاذ ، يا صاحب السعادة ، … أرجوك اغفر لي … أنا … لم يكن
- أوه ، بالله عليك … لقد نسيت ذلك تماما ، فلماذا تكرر ذلك على سمعي
قال الجنرال ذلك ، وعض على شفته السفلى بنفاد صبر
- هـ .. م م .. إنه يقول أنه قد نسى
فكر كريبيكوف وهو يحدق إلى الجنرال بعدم اطمئنان
- لكن مزاجه في أسوأ حال . إنه يرفض حتى الكلام في هذا الموضوع . يجب أن
أوضح له بأني لم أرد …. – وأن العطاس قانون من قوانين الطبيعة … وإلا ربما
فكر بأني عنيت أن أبصق عليه . وإن لم يفعل الآن ، قد يفعل في وقت لاحق
وعندما وصل كريبكوف البيت ، أخبر زوجته عن مخالفته للأصول والآداب . وشعر
بأن زوجته قد تلقت الحادث بشيء كثير من عدم المبالاة : في البداية تولاها
الفزع تماما . ولكن حالما علمت أن شبريتسالوف كان رئيس شخص أخر ، هدأت
نفسها ثانية
- مع هذا ، اذهب إليه واعتذر له
قال
- .. وإلا اعتقد انك لا تعرف التصرف في المحلات العامة .
- هذا صحيح . لقد اعتذرت له فعلا ، لكنه تصرف بشكل غريب … لم أستطع أن أحصل
منه على كلمة واحدة ذات معنى . لم يكن هناك وقت كاف لمناقشة الموضوع من
جهة أخرى .
فى اليوم التالي ، ارتدى كريبيكوف بدلته الجديدة وشذب شعره وذهب إلى
شيريستالوف ليوضح له .. لما دخل غرفة المراجعين للجنرال رأى صفا من الناس
هناك ، وفى وسطهم كان الجنرال نفسه الذي كان قد بدأ لتوه بسماع العرائض .
وبعد النظر في مشاكل بعض مقدمي العرائض رفع الجنرال نظره تجاه كريبيكوف
- أمس في مسرح الاركيديا ، يا صاحب السعادة ، لو تذكر .. بدأ الموظف الصغير كلامه
- عطست ، يا سيدي ، و .. عن غير قصد ، تطاير الرذاذ . اغفـ
- كفى هراء ، أيها السيد ! …. إنك تضيع وقتي .الذي بعده
قال الجنرال وهو يدير وجهه إلى مقدم عريضة أخر
- إنه يرفض حتى التحدث في الموضوع
فكر كريبيكوف وقد امتقع وجهه
- لا شك أنه غاضب ، إذن … لا ، لا أستطيع أن أترك الموضوع عند هذا الحد … يجب أن أوضح له
عندما انتهى الجنرال من مقابلة أخر واحد من مقدمي العرائض ، وأخذ طريقه
عائدا إلى المختلى الداخلي من القسم ، أسرع كريبيكوف موسعا خطاه وراءه
وتمتم قائلا :
- صاحب السعادة ! إن تجرأت و أزعجت سيادتكم ، فذلك فقط بدافع الشعور بالــ …
بالندم العميق ، كما يقولون .. أنا لا أفعل ذلك عن قصد ، سيدي يجب أن
تصدقني
أدار الجنرال وجهه منزعجا ودفعه جانبا
- هل أنت تحاول أن تكون مضحكا ، أيها السيد ؟
قال ، واختفى خلف الباب
- مضحكا ؟
فكر كريبيكوف
- … أنا ، بالطبع، لا أحاول أن أكون مضحكا ! يسمي نفسه جنرالا ولا يفهم .
حسنا ، إذا كان سيتعالى ويشمخ بأنفه فلن أعتذر منه بعد ذلك .ليذهب إلى
الجحيم .لا مانع عندي من كتابة رسالة إليه ، إلا إنني لن أقطع كل هذا
الطريق ثانية وآتي إليه . لا ، أبدا
هذا ما كان يدور فى ذهن كريبيكوف وهو في طريقه إلى البيت . لم يكتب إلى
الجنرال ، على أية حال فكر وفك ، إلا أنه لم يستطع أن يجد ما يقول وهكذا ،
في الصباح التالي ، كان عليه أن يذهب إليه ليوضح له شخصيا
- أمس ، جئت و أزعجت سعادتكم
بدا متلعثما .. عندما رفع الجنرال ناظريه إليه متسائلا
- .. ليس لأحاول أن أكون هازلا ، كما تفضلتم وقلتم . جئت لأعتذر للعطاس
ورشكم بالرذاذ ، يا سيدي – لم يخطر ببالي أبدا أن أكون هازلا . كيف أجرؤ أن
أضحك ؟ لو بدأ كل واحد منا بالضحك على الناس الذين حوله ، لن يبقى احترام
لأحد ، ها ، في العالم
- انصرف
جأر الجنرال فجأة ، وقد تورد وجهه واستشاط غضبا
- ما …ماذا ؟
قال كريبيكوف هامسا ، وأغمي عليه من الفزع
- انصرف
كرر الجنرال قوله ، وضرب الأرض بقدمه
شعر كريبيكوف بشيء ينهش أحشاءه . وبدون أن يرى شيئا أو يسمع شيئا ، ترنح
إلى الوراء نحو الباب ووصل الشارع وغادر هائما . دخل بيته بصورة آلية ،
ودون أن ينزع بدلته ارتمى على الأريكة و .. مات






أنا فلاح وبفتحر واللي ما عاجبو يموت كهر

لن تصبح مآسينا
صورا يعتاد عليها البعض
ولن أستقيل من حب الوطن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.facebook.com/ahmadqaddura
أحمد قدورة
مدير المكتب الإعلامي
مدير المكتب الإعلامي
avatar

ذكر عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 28
الموقع : في الدفاتر بين الكتب
العمل/الترفيه : كاتب + رسام + مساعد مهندس

مُساهمةموضوع: رد: من روائع القصص العالمي    الجمعة أبريل 13, 2012 8:09 am

أجمل غريق في العالم

غبرائيل غارسيا ماركيز

ظنّه
الأطفال لمّا رأوه ، أول مرة ، أنه سفينة من سفن الأعداء. كان مثلَ رعنٍ
أسود في البحرِ يقترب منهم شيئا فشيئا. لاحظ الصبيةُ أنه لا يحمل راية ولا
صاريًا فظنوا حينئذٍ أنه حوتٌ كبير، ولكن حين وصل إلى ترابِ الشاطيء
وحوّلوا عنه طحالبَ السرجسِ و أليافَ المدوز و الأسماكَ التّي كانت تغطيهِ
تبيّن لهم أنّه غريق.

شرعَ
الصبيةُ يلعبون بتلك الجثة يوارونها في الترابِ حينًا ويخرجونها حينًا
حتّى إذا مرّ عليهم رجلٌ ورأى ما يفعلون نَهَرهم وسعى إلي القريةِ ينبه
أهلها بما حدث.

أحسّ
الرجالُ الذين حملوا الميّتَ إلى أول بيتٍ في القرية أنه أثقل من الموتى
الآخرين ، أحسّوا كأنهم يحملون جثّةَ حصانٍ وقالوا في ذات أنفسهم :

“ربما نتج ذلك عن بقاء الغريق فترة طويلة تحت البحرِ فدخل الماءُ حتى نخاع عظامه.”
عندما طرح
الرجالُ الجثةَ على الأرضِ وجدوا أنّها أطولُ من قامة كلّ الرجال ، كان رأس
الميتِ ملتصقًا بجدار الغرفة فيما اقتربت قدماه من الجدارِ المقابلِ ،
وتساءل أحد الرجال عمّا لو كان ذلك ناتجًا عن أن بعض الغرقى تطول قاماتُهم
بعد الموت.

كان الميتُ
يحمل رائحةَ البحر ، وكانت تغطيه طبقةٌ من الطين و الأسماك. لم يكن من
الضرورة تنظيف الوجه ليعرف الرجال أن الغريق ليس من قريتِهم ، فقريتهم
صغيرة لا تحوي سوى عشرين من البيوت الخشبية الصغيرة ، و كانت القرية نادرةَ
التربة مما جعل النسوة يخشين أن تحمل الريحُ الأطفال ومنع ذلك الرجالَ من
زرع ِ الأزهار ، أمّا الموتى فكانوا نادرين لم يجد لهم الأحياءُ مكانًا
لدفنهم فكانوا يلقون بهم من أعلى الجرف..

كان بحرُهم
لطيفًا ، هادئًا و كريمًا يأكلون منه. لم يكن رجالُ القرية بكثيرين حيث
كانت القوارب السبعةُ التي في حوزتهم تكفي لحملهم جميعًا ، لذلك كفى أن
ينظروا إلى أنفسهم ليعلموا أنه لا ينقص منهم أحد..

في مساءِ
ذلك اليوم لم يخرج الرجال للصيدِ في البحر. ذهبوا جميعًا يبحثون في القرى
القريبة عن المفقودين فيما بقيتِ النسوة في القريةِ للعناية بالغريق …أخذن
يمسحن الوحلَ عن جسده بالألياف ويمسحن عن شعره الطحالب البحرية ويقشّرن ما
لصق بجلده بالسكاكين..

لاحظت
النسوة أن الطحالب التي كانت تغطي الجثة تنتمي إلي فصيلة تعيش في أعماقِ
المحيطِ البعيدة ، كانت ملابسه ممزقة وكأنه كان يسبح في متاهةٍ من المرجان.
ولاحظت النسوة أيضا أن الغريقَ كان قد قابل مَلَكي الموتِ في فخرٍ و
اعتزاز فوجهه لا يحمل وحشةَ غرقى البحرِ ولا بؤس غرقى الأنهار. وعندما
انتهت النسوة من تنظيف الميّت وإعداده انقطعت أنفاسهن ، فهن لم يرين من قبل
رجلاً في مثل هذا الجمال و الهيبة..

لم تجد
نساء القرية للجثة ، بسبب الطولِ المفرطِ ، سريرًا ولا طاولة قادرة على
حملها أثناء الليل. لم تدخل رِجْلا الميتِ في أكبرِ السراويل و لا جسدُه في
أكبرِ القمصان ، ولم تجد النسوة للميّت حذاءً يغطي قدميه بعد أن جربوا
أكبر الأحذية.

فقدت
النسوة ألبابَهن أمام هذا الجسدِ الهائلِ فشرعن في تفصيل سروال من قماشِ
الأشرعة و كذلك قميص من “الأورغندي” الشفاف فذلك يليق بميّتٍ في مثل هذه
الهيبة و الجمال..

جلست
النسوة حول الغريق في شكلِ دائرةٍ بين أصابع كل واحدةٍ منهن إبرة وأخذن في
خياطة الملابس ، كن ينظرن بإعجاب إلى الجثة بين الحين و الحين؛ بدا لهن أنه
لم يسبق للريح ِ أن عصفت في مثل هذه الشدة من قبل ولا لبحر “الكاراييب” أن
كان مضطربًا مثل ذلك المساء. قالت إحداهن ” أن لذلك علاقة بالميّت” ،
وقالت أخرى ” لو عاش هذا الرجل في قريتنا لاشك أنه بنى أكبر البيوت وأكثرها
متانة ، لاشك أنه بنى بيتًا بأبواب واسعة وسقفٍ عالٍ وأرضيةٍ صلبة ولاشك
أنه صنع لنفسه سريرًا من الحديد و الفولاذ ، لو كان صيادًا فلاشك أنه يكفيه
أن ينادى الأسماك بأسمائها لتأتي إليه. ، لاشك أنه عمل بقوة لحفر بئرٍ
ولأخرج من الصخور ماءً ولنجح في إنبات الزهر على الأجراف”..

أخذت كل واحدة منهن تقارنه بزوجها ، كان ذلك فرصة ثمينة للشكوى والقول إن أزواجهن من أكبر المساكين..
دخلت النسوة في متاهات الخيال.
قالت
أكبرهن:” للميّت وجه أحد يمكن أن يسمّى إستبان”. كان هذا صحيحًا..كفى
للأخريات أن ينظرن إليه ليفهمن أنه لا يمكن أن يحمل اسمًا آخر ، أمّا
الأكثر عنادًا والأكثر شبابا فقد واصلت أوهامها بأن غريقًا ممدّدًا بجانب
الأزهار وذا حذاء لامع لايمكن إلا أن يحمل اسمًا رومنطقيًا مثل “لوتارو”.

في الواقع
ما قالته أكبرهن كان صحيحًا فلقد كان شكل الميت بلباسه مزريًا حيث كان
السروال غير جيد التفصيل فظهر قصيرًا و ضيقًا ، حيث لم تحسن النسوة القياس
وكانت الأزرار قد تقطعت وكأن قلب الميت قد عاد للخفقان بقوة..


بعد منتصف
الليل هدأت الريحُ ، وسكت البحرُ ، وساد الصمتُ كل شيء . اتفقت النسوة
عندها أن الغريق قد يحمل بالفعل اسم إستبان ، ولم تسُدْ الحسرة أية واحدة
منهن: اللاتي ألبسن الميّتَ واللاتي سرحن شعره واللاتي قطعن أظافره وغسلن
لحيته. لم تشعر واحدة منهن بالندم عندما تركن الجثة ممدّدة على الأرض ،
وعندما ذهبت كل واحدة إلى بيتها فكرن كم كان الغريق مسكينًا وكم ظلت مشكلات
كبر حجمه تطارده حتى بعد الموت ، لاشك أنه كان ينحني في كل مرة يدخل فيها
عبر الأبواب .. لاشك أنه كان يبقى واقفا عند كل زيارة ، هكذا كالغبي، قبل
أن تجد ربة البيت له كرسيا يتحمله…ولاشك أن ربةَ البيتِ كانت تتضرع للربّ
في كل مرة ألا يتهشم الكرسي. وكان في كل مرة يرد عليها إستبان في ابتسامةٍ
تعكس شعوره بالرضا لبقائه واقفا ..لاشك أنه ملّ من تكرر مثل هذه الأحداث ،
ولاشك أيضا أن الناس كانوا يقولون له “ابق وأشرب القهوة معنا” ثم بعد أن
يذهب معتذرا يتهامسون: “حمدا لله لقد ذهب هذا الأبله”.

هذا ما فكرت فيه النسوة فيما بعد عطفًا على الغريق..

في الفجر،
غطت النسوة وجه الميّت خوفًا عليه من أشعة الشمسِ عندما رأين الضعف على
وجهه. لقد رأين الغريق ضعيفًا مثل أزواجهن فسقطت أدمع من أعينهن رأفة ورحمة
، وشرعت أصغرهن في النواح فزاد الإحساس بأن الغريق يشبه إستبان أكثر
فأكثر..

وزاد البكاء حتى أصبح الغريق أكبر المساكين على وجه الأرض..
عندما عاد الرجال بعد أن تأكدوا من أن الغريق ليس من القرى المجاورة امتزجت السعادة بالدموع على وجوه النسوة.
قالت النسوة: “الحمد لله ، ليس الميت من القرى المجاورة إذا فهو لنا!”..
اعتقد
الرجال أن ذلك مجرد رياء من طرف النسوة ، لقد أنهكهم التعب وكان كل همّهم
هو التخلص من هذا الدخيل قبل أن تقسو الشمس وقبل أن تشعل الريح نارها. أعدّ
الرجال نقالة من بقايا شراع وبعض الأعشاب التي كانوا قد ثبّتوها بألياف
البحر لتتحمّل ثقل الغريق حتى الجرف وأرادوا أن يلفّوا حول رِجلي الجثّة
مرساة لتنزل دون عائق إلى الأعماق حيث الأسماك العمياء وحيث يموت الغواصون
بالنشوة ، لفوا المرساة حتى لا تتمكن التيارات الضالة من العودة به إلى سطح
البحر مثلما حدث مع بعض الموتى الآخرين. ولكن كلّما تعجّل الرجال فيما
يبغون كلّما وجدت النسوة وسيلة لضياع الوقت حيث تكاثر الزحام حول الجثة ؛
بعض من النسوة يحاول أن يلبس الميّت “الكتفيّة” حول كتفه اليمين لجلب الحظ
حاول بعضٌهن الآخر أن يضع بوصلة حول رسغه الأيسر، وبعد صراع لغويّ وجسديّ
رهيب بين النسوة شرع الرجال ينهرون ويصرخون :” مالهذه الوشايات والفوضى،
ماذا تعلقن؟ ألا تعلمن أن أسماك القرش تنتظر الجثّة بفارغ الصبر؟ ما هذه
الفوضى، أليس هذا إلا جثّة؟”..

بعدها رفعت
امرأة الغطاء عن وجه الميّت فانقطعت أنفاس الرجال دهشة: “إنه إستبان!” لا
داعي لتكرار ذلك لقد تعرفوا عليه. من يكون غيره، هل يظن أحد أن الغريق يمكن
أن يكون السير والتر روليك على سبيل المثال؟ لو كان ذلك ممكنا فلاشك أنهم
سيتخيلون لكنته الأمريكية وسيتخيلون ببغاء فوق كتفه وبندقية قديمة بين يديه
يطلق بها النار على أكلة البشر..

لكن الجثة التي أمامهم غير ذلك، إنها من نوع فريد!
إنه إستبان
يمتد أمامهم مثل سمكةِ السردين حافي القدمين مرتديًا سروال طفلٍ رضيع ، ثم
هذه الأظافر التي لا تُقطع إلا بسكين. بدا الخجل على وجه الغريق ، ما ذنبه
المسكين إذا كان طويلاً وثقيلاً وعلى هذا القدر من الجمال؟ لاشك أنه اختار
مكانًا آخر للغرق لو عرف ما كان في انتظاره. قال أحد الرجال: “لو كنت محله
لربطت عنقي بمرساة قبل أن اقفز من الجرف.. لا شك أنني سأكون قد خلصتكم من
كل هذه المتاعب ومن جثتي المزعجة هذه.”


أعد سكان
القرية أكبر جنازة يمكن تخيلها لغريقٍ دون هوية. رجعت بعض النسوة اللاتي كن
قد ذهبن لإحضار الزهور من القرى المجاورة برفقة أخريات للتأكد من صحة ما
سمعن.

عندما تأكدت نساء القرى المجاورة من شكل الغريق ذهبن لإحضار زهور أخرى ورفيقات أخريات حتى ازدحم المكان بالزهور وبالنساء..
في اللحظات
الأخيرة تألّم سكانُ القرية من إرسال الغريق إلي البحر مثل اليتيم
فاختاروا له أمًا وأبًا من بين خيرتهم وسرعان ما أعلن آخرون أنهم أخوته
وآخرون أنهم أعمامه حتى تحول كل سكّان القرية إلى أقارب ، وبينما كان الناس
يتنافسون في نقل الجثمان فوق أكتافهم عبر المنحدر العسير المؤدّي إلى
الجرف لاحظ سكان القرية ضيق شوارعهم وجفاف أرضهم ودناءة أفكارهم مقارنة
بجمالِ هذا الغريق.

ألقى
الرجال بالجثة عبر الجرف دون مرساة لكي تعود إليهم كيفما تشاء ومسكوا
أنفاسهم في تلك اللحظة التي نزل فيها الميت إلى الأعماق ، أحسوا أنهم فقدوا
أحد سكّان قريتهم وعرفوا، منذ تلك اللحظة، أن ثمة أشياء كثيرة لابد أن
تتغير في قريتهم..

عرفوا أن
بيوتهم تحتاج إلى أبواب عالية وأسقف أكثر صلابة ليتمكن شبح إستبان من
التجول في القرية ومن دخول بيوتها دون أن تضرب جبهته أعمدة السقف ودون أن
يوشوش أحد قائلاً لقد مات الأبله..


منذ ذلك
اليوم قرر سكّان القرية دهن بيوتهم بألوان زاهية احترامًا لذكرى إستبان..
سوف ينهكون ظهورهم في حفر الآبار في الصخور وفي زرع الأزهار عبر الأجراف
لكي يستيقظ بحارةُ السفنِ المارةِ في فجرِ السنواتِ القادمةِ علي رائحةِ
الحدائق ولكي يضطر القبطان للنزول من أعلى السفينةِ حاملاً اسطرلابه
ونجمتَه القطبية و يقول مشيرًا إلي الجبلِ الذي ينشر زهورَه الورديةَ نحو
الأفق وفي كلّ لغاتِ العالم:


“أنظروا إلى هناك حيث هدوء الريح ِ وحيث ضوء الشمس.

هناك هي قرية إستبان!”.








أنا فلاح وبفتحر واللي ما عاجبو يموت كهر

لن تصبح مآسينا
صورا يعتاد عليها البعض
ولن أستقيل من حب الوطن


عدل سابقا من قبل أحمد قدورة في الجمعة أبريل 13, 2012 8:50 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.facebook.com/ahmadqaddura
أحمد قدورة
مدير المكتب الإعلامي
مدير المكتب الإعلامي
avatar

ذكر عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 28
الموقع : في الدفاتر بين الكتب
العمل/الترفيه : كاتب + رسام + مساعد مهندس

مُساهمةموضوع: رد: من روائع القصص العالمي    الجمعة أبريل 13, 2012 8:11 am

من روائع القصص العالمي قصة " الوردة " للكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا

سنجد فيها الفن القصصي في أسمى صوره : براعة التصوير ، قوة التحليل و الغوص عميقا في أغوار النفس البشرية .

نجد فيها حضورا قويا للحواس لا سيما حاسة الذوق و الشم و اللمس ، حواس الشهوة و الخطيئة .

كل ذلك في شكل إيحائي جميل .

قراءة ممتعة لقصة " الوردة "






أنا فلاح وبفتحر واللي ما عاجبو يموت كهر

لن تصبح مآسينا
صورا يعتاد عليها البعض
ولن أستقيل من حب الوطن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.facebook.com/ahmadqaddura
أحمد قدورة
مدير المكتب الإعلامي
مدير المكتب الإعلامي
avatar

ذكر عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 11/04/2012
العمر : 28
الموقع : في الدفاتر بين الكتب
العمل/الترفيه : كاتب + رسام + مساعد مهندس

مُساهمةموضوع: رد: من روائع القصص العالمي    الجمعة أبريل 13, 2012 8:11 am

الـــوردة


البرتو مورافيا
ترجمة: وفاء شوكت


في شهر أيار، كانت توجد في حديقة هذا
البيت الصغير في الضاحية، بالقرب من أشجار الورد، صفوف من الملفوف. كان
المالك، وهو عجوز متقاعد، يعيش وحيداً مع طاهيته، يخلع سترته عند الغسق،
ويلبس مئزراً من القماش المخطّط وينكش الأرض بالمعول، ويشذِّبها، ويسقيها
ساعة، في انتظار وجبة العشاء. وكانت نساء الحيّ تستطيع رؤيته، وهن عائدات
مساءً من الحدائق العامَّة مع أطفالهن، من خلال قضبان الشبكة المعدنية،
فيما هو يوجِّه الفوارة على المساكب حاملاً خرطوم الماء بيده. وكان الرجل
المتقاعد يقطف، من حينٍ لآخر، ملفوفةً، ويعطيها لطاهيته؛ أو يقص بالمقراض
بعضاً من تلك الورود، ويضعها في زهرية في منتصف الطاولة، في قاعة الطعام.
وعندما يجد وردة جميلة جمالاً خاصاً، كان الرجل المتقاعد يحملها إلى غرفته،
ويضعها في كأس بعد ملئها بالماء، ويضعها على منضدةٍ قرب سريره. وكانت
الوردة تبقى في الماء تنظر إلى رأس سرير العجوز، حتى تسقط أوراقها،
وتتفتَّح كل بتلاتها مثل الأصابع، وتكشف عن قلبها الأشقر والوَبِر. لكن
المتقاعد لم يكن يرمي الوردة إلا عندما يجد بتلاتها منثورةً على رخام
المنضدة، ولا يوجد في الماء الذي فتر والمليء بالفقاعات سوى الساق المليئة
بالأشواك.‏


وفي صباح أحد أيام شهر أيار، انقضَّت
سيتونية(1) مذهَّبة كبيرة، تتبعها ابنتها التي لا تزال شابة، بعد أن
حلَّقتا سدىً في حدائق المنطقة، ولم تجدا أية زهرة وقد شاهدتا، من بعيد،
مساكب المتقاعد، انقضتا على ورقة شجرة زعرور جرماني، عريضة وقاسية؛ وهنا
قالت الأم لابنتها بعد أن استردَّت أنفاسها: "ها قد وصلنا إلى نهاية
تجوالنا. فإذا ما انحنيتِ ونظرت إلى الأسفل، سترين زهرات عدة لا تنتظر سوى
مجيئك. فنظراً لصغر سنِّك، أردت حتى الآن مرافقتك ونصحك في اختيار الورود
وعلاقاتك معها... كنت أخشى أن تتعرض صحتُكِ الجسدية والنفسية للخطر بفعل
حداثة الأحاسيس وعنفها إضافة إلى النهم الخاص بشبابك، لكنني وجدت أنكِ
سيتونية عاقلة، مثل باقي سيتونيات عائلتنا، وقرَّرت أن الوقت قد حان، من
الآن فصاعداً، لكي تعتمدي على نفسك وتحلِّقي بأجنحتك نحو الورود التي
تفضلين؛ فمن الأوفق إذاً أن نفترق نهاراً كاملاً؛ وسنعود ونلتقي على ورقة
شجرة الزعرور هذه. لكنني سأعطيكِ قبل أن نفترق، بعض التوصيات. تذكّري أن
السيتونية خلقت لتلتهم الورود. أو، على العكس، خلق الله الورود كي تتغذّى
السيتونيات عليها. وبخلاف ذلك، فلسنا نجد لماذا تصلح هذه الورود. وإذا لم
تجدي ورداً، أمسكي وامتنعي عن الطعام، فمن الأفضل تحمّل الجوع على مسّ
غذاءٍ غير جدير بعِرقنا. ولا تصدِّقي مغالطات دود الأرض والرعاع الآخرين،
الذين يدَّعون أن جميع الورود جيدة. هذا ما يبدو، في أول الأمر لكن بعد ذلك
تنكشف بعض الأمور. وبعد أن ينقضي زمن الشباب، تكشف السيتونية التي انحطت،
النقاب عن جميع نقائص انحطاطها المخجلة؛ وعليها، بعد أن يتم إبعادها عن
قومها أن تقاوم صحبة الخنافس والزنابير والطفيليات، وقائمة طويلة أخرى من
الهَنات(2). لأن الوردة، يا صغيرتي، هي غذاء إلهي، قبل أن تكون غذاءً
مادياً. ومن جمالها، تنهل السيتونية جمالها هي. إنها أشياء غامضة، ولن أعرف
أن أقول لكِ أكثر من ذلك. وأعرف ببساطة، أن بعض القوانين، التي تدعى،
بدقةٍ، إلهية، لم تُنْتَهك أبداً دون عقاب. لكنكِ لست بحاجة لمثل هذه
التحذيرات، فأنتِ سيتونية سويَّة ونزيهة، وتحكمين بالفطرة على بعض الأشياء.
فإلى اللقاء، يا صغيرتي، إلى اللقاء هذا المساء." وبعد أن عبَّرت عن
أفكارها على هذا النحو، طارت الأم الشجاعة، لأن وردة قرمزية ضخمة، تفتَّحت
أوراقها قبل هنيهة، كانت الآن تستهويها، وتخشى أن تسبقها إليها سيتونية
أخرى، أو أن تستميل صراحة، ابنتها.‏


وبقيت السيتونية الفتيَّة بضع دقائق أخرى على ورقة شجرة الزعرور تتملَّى حديث أمها. ثم طارت بدورها.‏

إن أحداً آخر غير السيتونية، لا يمكنه
أن يتصوَّر ما هي الوردة لسيتونية. فتخيَّلوا الزرقة في شهر أيار، تجتازها
موجات شمسية بطيئة، في حديقة مزهرة. وها هو سطح منتفخ وأبيض يظهر أمام
عيني السيتونية المحلِّقة والتي يداعب ظلّها بتضاريسه المُهيبة، ويتوِّج
الضوء حوافه المتألِّقة؛ سطح واسع وناعم، مماثلٍ لسطح ثدي مثقل بالحليب.
إنها الورقة الخارجية لوردة بيضاء، لا تزال منغلقة، لكنها عريضة عند
الأطراف، وتكشف عن أوراق أخرى متراصَّة وملتوية بعضها على بعض. وقد أثار
هذا البياض الشاسع والبكر، الذي اكتسح فجأةً سماء عينيّ السيتونية، هيجاناً
شرهاً، فاتناً ولاهثاً. وكان أول اندفاع شعرت به، هي أن تنقضَّ برأسها
أولاً، على هذا اللحم الرائع غير المحمي، وتنهشه، وتمزِّقه لتدمغه بندبة
استحواذها المسبق عليه. لكن حدسها أوحى لها بطريقة أكثر نعومة لولوج
الوردة؛ وها هي تتشبَّث بحوافي ورقةٍ مفرطة وتتسلل إلى داخل الوردة. كان في
الإمكان رؤية جسم السيتونية الأخضر- الذهبي برهة، مماثلاً ليد تندس بين
أغطية سرائر من الكتَّان الأبيض، يتخبَّط بيأس، محاولاً شق طريقٍ لنفسه؛ ثم
اختفى تقريباً، واستعادت الوردة، المنتصبة على ساقها، مظهرها المألوف،
شبيهةً بفتاة شابة، تحتفظ تحت مظهر البراءة العذرية، بالسر الحارق لأول
عناقٍ غراميّ لها. لكن، فلنتبع السيتونية في قرارة الوردة. كل شيء حولها
ظلام؛ لكنه ظلام نديّ، ذكيّ الرائحة وناعم؛ ظلام يحيا ويخفق في ثناياها
الخفيَّة، مثل ثنايا فمٍ مُشْتَهى؛ والسيتونية ذاهلة بعطر الوردة، مبهورة
ببياضها الذي تسبره بين البتلات التي تنطبق ثانيةً، وقد اهتاجت بليونة هذا
اللحم. وهي ليست سوى رغبة، كما أن الوردة ليست سوى غرام؛ وبحبٍّ جنوني
فطري، بدأت تلتهم الأوراق. ليس الجوع، كما قد يُظن خطأ، ما يدفعها إلى
تمزيق البتلات وخرقها، لكنها الرغبة المجنونة في الوصول إلى قلب الوردة
بأسرع وقتٍ ممكن. إنها تعصر بين براثنها، وتمزِّق، وتقطِّع، وتخزق،
وتجزِّئ. وفي الخارج، لا يشك أحد بأمر هذا الولوج المجنون؛ وتحتفظ الوردة
المنتصبة والبِكْر تحت ضوء الشمس، بدون خجلٍ، بسرِّها. لقد كسرت السيتونية،
في أثناء ذلك الوقت، بهيجانٍ متزايد، غلاف الوردة الأول، والثاني والثالث.
وبمقدار ما كانت تلج، كانت الأوراق تصبح أكثر نعومة، وأزكى رائحة، وأكثر
بياضاً. وشعرت السيتونية بأنه سيغشى عليها من المباهج، وأن قواها ستخور
تقريباً، وتضرب ضربةً أخيرة ببراثنها، وتفتح في متراس البتلات القاتم، فتحة
نهائية، وتُدْخِل رأسها أخيراً في الفرو الأبيض والمُسْكِر لغبار الطلع.
وستبقى هنا، دائخة، ضائعة، منهكة وكأنها ميتة، في هذه الظلمات الندية
والمعطّرة؛ لن تتحرَّك، وستبقى جامدة، ساعات، وأياماً كاملة. أما، في
الخارج، فلم يُفْشِ أدنى ارتعاش للأوراق، تحت براءة أشعة شهر أيار، سرَّ
الوردة المثير.‏


هذا هو قدَر السيتونية. لقد كانت هذه
الشابَّة التي أعطتها أمها نصائحها التي تظنُّها غير ضرورية، تشعر في
الواقع بأنها مختلفة، اختلافاً لا يُحدّ نهائياً، عن رفيقاتها من جنسها.
شيء لا يصدَّق، لكنه صحيح: كانت الورود لا تعني لها شيئاً. وكانت سيتونيتنا
تشعر، شعوراً عارماً، بأنها مدفوعة لتغيير هذه المشاعر الوراثية
والحارَّة، التي تشعر بها السيتونيات نحو أجمل الورود المعطَّرة، منذ
الأزمنة السحيقة، إلى اختيارات باردة وخشنة. كانت السيتونية قد اكتشفت
باكراً جداً ميولها، ورأت، في مبادرةٍ أولية، أن تكاشف أمها بالأمر. لكنها
فيما بعد، ومثلما يحدث دائماً في هذه الحالة، شعرت بالذعر من صعوبة اعترافٍ
كهذا، وفي الوقت ذاته ومع شكِّها بالعلاج الأمومي، عدلت عن ذلك. وحاولت
جاهدة ولثقتها بقدراتها الشخصية، إصلاح نفسها بنفسها. وهكذا حاولت متنقِّلة
من وردةٍ إلى وردة، تحت عيني أمها العطوف، الحصول مع الرضى على هذه
الرغبات التي كانت فطرتها ترفض إعطاءها لها. جهد ضائع. فما أن كانت تدخل
بين الأوراق حتى تتوقَّف سريعاً، وكأنها مشلولة، وليس فقط غير مبالية، بل
صراحةً، عرضة لنفورٍ لا يقاوم. وكان هذا اللَّحم الناعم يبدو لها مغموساً
بشهوةٍ لزجة وعسليَّة، والروائح كعفونات مختلطة، والبياض كظلٍّ نجسٍ وفاحش.
وكانت تحلم، وهي لا تزال جامدة ومشمئزَّة، بالملفوف الأخضر الطازج والشهي.
فالملفوف لا يتزيَّن بألوان البطاقات البريدية المزيَّفة، ولا يتعطَّر
بعطر البتشولي(3) المقزِّز والمريب، ولا يعرض بمحاباة هذه العذوبة المغثية.
وقلب الملفوف مثير للشهية، يلتوي وهو يتعرَّج بين التِلَع(4)، ورائحته
رائحة العشب والندى الصحيِّ، ولونه أخضر زاهٍ. كانت السيتونية تلعن في
قلبها، الطبيعة التي جعلتها مختلفة عن ممثِّلات جنسها الأخريات؛ أو بالأحرى
ما جعل جميع السيتونيات الأخريات مختلفات عنها. أخيراً، وعندما وجدت أن
إرادتها لا تساعدها على النجاح في شيء، وأنها حاولت جاهدة إرغام نفسها
كثيراً ولم تستطع حب الورود، قررت ألا تقاوم ميولها أبداً، بل أن تستسلم
لها صراحةً. كانت تفكر أحياناً، محاولة تبرئة نفسها بطريقة مغالطة، وإنامة
ضميرها تقول: "وفضلاً عن ذلك، ما هو الملفوف؟ إنه وردة خضراء... إذاً،
لماذا لا أحبُّ الملفوف...؟"‏


بعد كل ما قيل، من السَّهل تصوُّر
ملاحظات السيتونية الشابة، حول ورقة شجرة الزعرور، حيث تركتها الأم لتطير
نحو وردة شهواتها. ولكي نسلّط الضوء على مأساة هذه النّفْس، سنروي بعضاً
منها: "شيء حزين أن نُخْلق مختلفين عن الجمهور. لا نعرف لماذا، ولا نعرف
كيف يصبح الفرق، فجأة، دونيةً، خطيئةً، وجريمة. ومع ذلك، لا يوجد بين
الجمهور وبيني سوى علاقة عدد. مصادفة كون السيتونيات، في غالبيتهن العظمى
يحببن الورود؛ من الجيد إذاً، أن نحب الورود. نهج جميل في التفكير. أنا،
مثلاً، أحب الملفوف ولا شيء آخر سوى الملفوف. إنني مكونَّة على هذا النحو،
ولا أستطيع أن أتغيّر."‏


ومن غير المجدي، من جهةٍ أخرى، نقل
أفكار السيتونية التعيسة كاملةً. يكفي القول، كي نبتّ في أمر تفكيرها
الطويل إنها طارت نحو شجرة الزعرور، وبعد عدة جولات استكشافية، ذهبت لتحط
على ورقة أكبر ملفوفة موجودة، لونها أخضر-مزرق، منتفخة، ومليئة بالضلوع
والتجاعيد. وكي لا تلفت الأنظار إليها، تظاهرت بأنها حطّت على الخضرة
لترتاح. وبالتالي، اتخذت وضعاً متراخياً؛ فجلست على جنبها وأسندت رأسها على
قائمتها. وكان نعم الرأي، لأن سيتونيتين طائشتين مفعمتين بالحيوية، ظهرتا
بعد برهة، وأخذتا ترفرفان حولها. ثم صاحتا ثملتين: "ألن تأتي؟ إننا ذاهبتان
إلى الورود." ولحسن الحظ أنهما لم تهتَّما في عجلتهما بمراقبة رد
السيتونية على دعوتهما. ................وبعد أن ألقت السيتونية نظرة خاطفة
حولها، ولحظت عدم ظهور أي سيتونية في الأفق، تظاهرت بأنها تعثَّرت بضلعٍ
من أضلع ورقة الملفوف، وتركت نفسها تتدحرج باتجاه قلب الخضرة. وخلال ثانية
واحدة، وبعد أن أحدثت فتحةً بضرباتٍ تشنُّجية في الورقة السمينة والغشائية،
اختفت داخل قلبها المجعَّد.‏


وماذا نقول أكثر من ذلك؟ هل علينا أن
نتوقَّف عند وصف الهيجان الذي فتحت به السيتونية طريقاً لها داخل الملفوفة،
وقد أصبحت حرة أخيراً في إطلاق غرائزها المكبوتة، وقد انتشت بالنتانة
النباتية التي كانت تفوح من قلب النبتة الشحيم، وكيف وصلت إلى قلب الأوراق
البارد واللَّزج؟ وكيف بقيت طوال النهار في الداخل، خائرة القوى، وأمضت فيه
نهار سكرٍ وعربدةٍ حقيقيين؟ ....... وعند المساء، انسحبت السيتونية، على
مضض، بالممر الذي حفرته في قلب الملفوفة، كما هو مقرَّر، وطارت نحو شجرة
الزعرور، إلى المكان الذي حدَّدته أمها لموعدهما. فوجدتها منحنية، تنظر
حولها، قلقة لأنها لم ترها تظهر. سألت الأم الشجاعة ابنتها سريعاً كيف سارت
الأمور خلال النهار؛ فردت السيتونية صراحة، بأن كل شيء تمَّ على أحسن ما
يرام: فالورود متوفِّرة بكثرة. وتفحَّصت الأم وجه ابنتها؛ لكنها اطمأنّت
تماماً لملاحظتها بأنه صافٍ وبريء مثلما هو دائماً. قالت لها عندئذٍ:
"تصوَّري بأن فضيحة قد تفجّرت... لقد شوهدت سيتونية تدخل تحت أوراق، أكاد
لا أجرؤ على أن أكرِّر الكلمة، ملفوفة." وزايدت الابنة قائلة: "يا للهول"؛
لكن سرعة دقات قلبها بدأت تشتد، وأضافت: "ومن كانت؟" أجابت الأم: "لم
يستطيعوا تبيُّنها. شاهدوها تدخل تحت الأوراق، وهي تخبِّئ رأسها فيها...
لكن، تبعاً لأغمدتها يُظَنُّ أنها فتيّة. شقيّة هي الأم التي جعلها حظها
العاثر تلد بنتاً كتلك. وأعترف لكِ بأنني لو كنت أعلم أن لابنتي ميولاً
مماثلة، لمتُّ من الألم." وردّت البنت قائلة: "إنكِ على حق. إنها أشياء
يرفض العقل حتى تصوّرها." فقالت الأم: "هيا بنا." وطارت السيتونيتان في
فتور الغسق، نحو حدائق أخرى، وهما تثرثران.‏


" عن الفرنسية"‏

(1)- سيتونيه (حشرة تشبه الزيز، من مغمدات الأجنحة).‏

(2)- هَنَة (ما يرميه الصيادون من صغار السمك).‏

(3)- بتشولي (عشب عَطِر).‏

(4)- تلعة ج تِلَع (ما علا من الأرض).‏






أنا فلاح وبفتحر واللي ما عاجبو يموت كهر

لن تصبح مآسينا
صورا يعتاد عليها البعض
ولن أستقيل من حب الوطن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.facebook.com/ahmadqaddura
 
من روائع القصص العالمي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشبكة الأدبية :: المنتديــات الأدبيــة :: منتدى القصة والرواية والمسرح-
انتقل الى: